من وحي الاستحقاقات المقبلة

■ سليمة فراجي

من السياسة إلى التأمل ومن التأمل إلى الصمت ليس صمت اليأس، وإنما صمت من قال ما كان يريد قوله، واشتغل بما كان يؤمن به، وجرب، ونجح حيناً، وأُقصي حيناً، وكتب، وحلل، ودافع، ثم جلس أخيراً ليتأمل حصيلة الطريق.ولربما شوارع وجدة الحزينة أصدق من كثير من البرامج الانتخابيةمؤخرا تكاثرت علي الدعوات من طرف قنوات ومحللين وإذاعة وصحافة من اجل مناقشة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لكن اعترف أنني، في الآونة الأخيرة، لم تعد لدي الرغبة نفسها في خوض هذه النقاشات.ليس لأنني فقدت الاهتمام بالشأن العام، وإنما لأنني تعبت من كثرة التحليل، ومن المنافسة التي لا تنتهي، ومن إعادة طرح الأسئلة نفسها، بينما تظل دار لقمان على حالها.تعبت من واقع كنت أظنه قابلاً للتغيير، فاشتغلت عليه، وحللت، وكتبت، ودافعت، وجربت، ثم عدت في النهاية لأجد، في كثير من الأحيان، السراب نفسه.في تجربتي البرلمانية، كتبت مئات المقالات، وشاركت في النقاشات، وخضت معارك تشريعية وسياسية، وكنت أعتقد أن الكفاءة والعمل والتجربة يمكن أن تكون طريقاً طبيعياً إلى الاستمرار والعطاء.لكن تجربتي في الاستحقاقات الجماعية علمتني درساً آخر.في انتخابات 2021، حصلت على أكبر عدد من الأصوات، وكنت أعتقد أن هذا الرصيد الانتخابي يمنحني على الأقل الحق في أن أواجه الاستحقاق التالي على أساس واضح: من حصل على ثقة الناس يستحق أن يكون في موقع المسؤولية.لكنني تلقيت، آنذاك، مكالمة هاتفية أبلغتني، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بأنني لن أكون المرشحة لرئاسة الجماعة، وأن الرقم الثاني هو من سيشغل المنصب.كانت تلك من أكثر الضربات السياسية الموجعة إيلاماً في تجربتي.ليس فقط لأنني أقصيت، وإنما لأنني أدركت، في تلك اللحظة، أن عدد الأصوات الذي منحني إياه المواطنون قد لا يكون كافياً وحده لصنع القرار السياسي.ومنذ ذلك اليوم، قلت لنفسي إنني لن أترشح مرة أخرى، ولن أشارك في البرامج الانتخابية التي كنت أكتب لها وأتحدث عنها، بعدما كنت أؤمن أن الانتخابات يمكن أن تكون مجالاً حقيقياً للتنافس على أساس الأفكار والكفاءة والثقة الشعبية.أما بالنسبة إلى حضور النساء في اللوائح الوطنية أو الجهوية، فقد كتبت وقلت الكثير في هذا الموضوع.ولست ضد تمكين النساء، بل على العكس؛ كنت دائماً من المدافعات عن حضورهن الحقيقي في الحياة السياسية. لكن السؤال الذي ظل يؤرقني هو: هل استفادت الأحزاب فعلاً من التجربة والكفاءات النسائية التي مرت عبر هذه اللوائح؟ علما ان الكوطا ما هي إلا اجراء مرحلي أم أن الأمر تحول، في بعض الحالات، إلى مجرد آلية للعبور إلى البرلمان، دون أن تتبعها إرادة حقيقية في تمكين المرأة من صناعة القرار؟والأكثر إيلاماً أنني أصبحت أشعر بأن معيار الاختيار لا يكون دائماً هو الكفاءة أو التجربة أو القدرة على العمل، وإنما تتدخل اعتبارات أخرى لا علاقة لها بما يفترض أن تكون عليه السياسة.ومؤخراً، تحدثت إلى أحد المرشحين ممن يملكون المال. قال لي، بكل أدب، إنه لا أمل ولا حظ لي في الترشح، لأنني، حسب تعبيره، لا أملك «الحبّة».فهمت ما يقصد.كان يقصد المال.ابتسمت، لكنني حزنت في داخلي.حزنت لأنني، بعد كل هذه السنوات من العمل والتجربة والكتابة والنضال، وجدت نفسي أمام اختزال السياسة في سؤال بسيط: كم تملكين؟والأكثر إيلاماً أنني أعرف بعض الطرق التي يمكن أن تُجمع بها الثروات، وأعرف أن المال ليس دائماً ثمرة كفاءة أو نجاح مشروع أو تعب مشروع.ومع ذلك، يبدو أن السياسة لا تسأل دائماً عن مصدر المال، بقدر ما تسأل عن قدرته على صناعة الأصوات.لذلك، لم يعد لدي كثير مما أقوله في موسم انتخابي جديد.لا أريد أن أدخل في سباق اللوائح، ولا أن أحلل من سيترشح ومن سيُقصى، ولا أن أقدم رؤى وبرامج أعرف أن القرار بشأنها قد يُتخذ في مكان آخر.أصبحت أفضل أن أتأمل مدينتي.أمشي في شوارع وجدة، وأتأمل هذه المدينة التي أحبها، والتي شاء لها قدر الحدود المغلقة أن تنتظر طويلاً ازدهاراً تستحقه، وصحوة تمكنها من مسايرة المدن الأخرى.أنظر إلى شوارعها، وأتساءل كم من الطاقات ضاعت، وكم من الكفاءات انسحبت، وكم من الأحلام تأجلت لأن السياسة لم تعرف دائماً كيف تستثمر في الإنسان قبل أن تبحث عن الرقم والصوت والمال.وربما لهذا كله أصبحت أكثر ميلاً إلى الصمت.ليس صمت اليأس، وإنما صمت من قال ما كان يريد قوله، واشتغل بما كان يؤمن به، وجرب، ونجح حيناً، وأُقصي حيناً، وكتب، وحلل، ودافع، ثم جلس أخيراً ليتأمل حصيلة الطريق.يكفيني اليوم أنني اشتغلت.ويكفيني أنني جربت.ويكفيني أنني قلت ما كنت أؤمن به، حتى عندما لم يكن قوله مريحاً.ويكفيني أنني رأيت من الداخل ما كنت أراه من الخارج، وأنني لم أعد بحاجة إلى كثير من الشروحات لأفهم كيف تدار بعض الأشياء.أما المستقبل، فلا أدري إن كنت سأعود إلى الميدان أم لا.لكنني أعرف شيئاً واحداً:لقد تعبت من مطاردة واقع كنت أعتقد أنه ينتظر من يغيره، ثم اكتشفت أن بعض الواقع لا يتغير لأننا نكتب عنه كثيراً، وإنما حين تتغير القواعد التي تصنعه.ولهذا، سأترك هذه المرة للمدينة أن تتحدث.فربما كانت شوارع وجدة الحزينة أصدق من كثير من البرامج الانتخابية.

شاهد أيضاً

من سيوقف مهزلة الشهب الاصطناعية والمفرقعات ؟

أصبحت ظاهرة استعمال الشهب والمفرقعات تستعمل بكثرة في حفلات الزفاف بالمدينة وهي ظاهرة دخيلة على …

أوريد: عنف الشباب وأحداث سبتة، نتاج مدونة الاسرة !

لا يمكن أبدا أن تُختزل أسباب أزمة كبيرة كهاته في مسالة واحدة …هذا ليس من …

اترك تعليقاً