كان بوعزة نائما قرب معبر حدودي، نائما بالقرب من حاوية قمامة أنهى عملية تقليبها يمينا وشمالا لعله يجد شيئا ما ذا قيمة، يلتقطه ليضعه في عربة خصصت من قبله لهذا الشغل اليومي الذي اعتاد عليه بوعزة ”الميخالي”.
فتح بوعزة عينيه الصغيرتين، بل انتصب قائما وهو يسمع هديرا من الناس مقبلا نحو الشارع الحدودي الذي اتخذ ركنا منه مكانة لقيلولته…
مرت الجحافل بقربه، سأل أحدهم ما الذي حدث أو سيحدث؟ أجابه طفل بالكاد سيبلغ المراهقة وهو يلهث: فتحوا الطريق… يقولون إن الحدود انفتحت، وإن من يعبر اليوم لن يعود فقيرًا.”
بوعزة تريث، ونزلت عليه حكمة غريبة لم تنزل على عموم تلك الجحافل التي تمر على ناظريه كقطيع من الخرفان، قطيع يرى برسيما في الأفق ولا يرى ما تحت أطرافه من أرض لم تعد واضحة المعالم أو مرئية بل صارت سوداء مجهولة…
لمح بوعزة ان العديد من الشباب وضع دراجاته النارية والهوائية في مكان فسيح، وضعها بلا حارس ولا رقيب، لمح العديد من مقتنيات الجحافل صارت مجرد متلاشيات يحملها البحر، لاحظ أن ابناء عمومته الرجال انضموا الى الجحافل وتركوا قريتهم بل معيل ولا حامي للأراضي ااجذباء التي تركوها وراء ظهورهم…
أخرج بوعزة هاتفا من الطراز القديم، واتصل بزوجته وأمرها أن تجند الأبناء وتخبر أخاه العربي بملاقاته والأولاد في اقرب ساعة زمن…
كانت الظلمة تكاد تكتسح المنطقة التي يوجد فيها بوعزة وأولاده والعربي، كانوا مستعدين لشيء ما وبجانبهم شاحنة مهترئة استلفها العربي من صاحبها الذي يعمل لديه مساعدا…
حلت الظلمة وشخصت الأبصار نحو الدراجات بكل أصنافها والمتلاشيات بكل انواعها، فتحركت الأبدان تحمل ما تحمل، حتى إذا ما جاء الفجر كان بوعزة ومن معه قد أخذوا كل ما في تلك المنطقة من مذخرات…
لم يكن بوعزة يعلم أنه في لحظة سيجد كنزا جناه من فقراء من شدة تطلعهم وطمعهم نحو تحسين أحوالهم رموا كل ما بين أيديهم من مال ومذخرات وصاروا بلا عقل نحو مجهول غير محسوب العواقب…
بين عشية وضحاها صار بوعزة وأخاه العربي من أغنياء القرية، باعوا ما أخذوه من دراجات ومقتنيات في سوق المتلاشيات السوداء، واشتروا بعد ذلك أراضٍ بثمن بخس من أسر فقدت معيلها في خضم التدافع نحو بحر لا يرحم…
دخل بوعزة الانتخابات وصار برلمانيا، شيد مصنعا في الجوار وجاء ليشتغل فيه أولئك الشباب الذين رجعوا من الحدود ولم يجدوا لا دراجة نارية ولا هوائية، جاؤوا وهمهم الوحيد هو العمل مرة أخرى وشراء دراجة نارية يزورون بها المعبر الحدودي كل مرة، يشعلون سيجارة يحلمون يتأملون ويتألمون، يترقبون فرصة ما للعبور، حتى إذا ما حانت تركوا دراجاتهم لأمثال بوعزة للإغتناء من وراء ظهورهم وهم لا يعلمون…
وهكذا سيظل اولئك الشباب كلما حلموا بأوروبا يزداد بوعزة من خلفهم ثراء…
■ مالك بوروز

الرسالة موقع إخباري متنوع