لكلاب ليست هي القضية… أكلوا الميزانية وقتلوا الكلاب

قبل أن نتحدث عن الكلاب الموجودة في شوارعنا، وقبل أن نطالب بقتلها أو التخلص منها، يجب أن نبدأ من السؤال الصحيح:من المسؤول عن وصولنا إلى هذه الوضعية أصلًا؟الكلاب ليست هي القضية.الكلاب هي الضحية.أما القضية الحقيقية فهي سياسة عمومية، وميزانيات عمومية، وأموال دافعي الضرائب، ومسؤولية جماعات ترابية يفترض أن تنفذ البرامج المخصصة للصحة العامة والتعامل مع الحيوانات الموجودة في الشوارع.لقد خُصصت أموال وبرامج لمعالجة هذه الظاهرة، وللتلقيح والتعقيم، ولإنشاء الملاجئ والمرافق البيطرية.إذن، أين ذهبت هذه الأموال؟وأين الملاجئ؟وأين المستوصفات البيطرية؟وأين برامج التلقيح والتعقيم؟وأين أثر هذه الميزانيات على أرض الواقع؟خذوا مثلًا جماعة سيدي يحيى زعير.هنا أطرح سؤالًا واضحًا ومباشرًا على المسؤولين:ما هي الاعتمادات التي توصلت بها الجماعة أو استفادت منها في إطار معالجة ظاهرة الحيوانات الموجودة في الشوارع؟ وكيف صُرفت؟ وما المشاريع التي أُنجزت مقابلها؟ وأين هي الوثائق التي تثبت ذلك؟إذا كانت أموال قد رُصدت لبناء ملاجئ أو مرافق بيطرية، فأين هي؟وإذا كانت قد خُصصت للتلقيح والتعقيم، فأين نتائجها؟ولماذا نرى، بدلًا من ذلك، حملات لقتل الكلاب في الشوارع؟إذا كانت الأموال قد خُصصت لمعالجة المشكلة، ثم لم تظهر المشاريع أو النتائج التي خُصصت لها تلك الأموال، فإننا أمام شبهة خطيرة في تدبير المال العام تستوجب التحقيق والمساءلة.وأنا أقول هذا لأن هناك مفارقة مؤلمة:المواطن يستطيع أن يسأل عن ميزانية الطريق.ويستطيع أن يسأل عن ميزانية المستشفى.ويستطيع أن يسأل عن الإنارة والنظافة والماء.لكن من يسأل عن الأموال التي خُصصت للحيوانات؟من يراقب هذا المال؟ومن يتابع أين صُرف؟ومن يقارن بين الاعتماد المالي وبين ما أُنجز فعليًا؟ربما اعتقد البعض أن هذه الأموال يمكن أن تمر من دون أن يسأل عنها أحد، لأن المستفيد المفترض منها حيوان لا يستطيع أن يتكلم، ولا أن يقدم شكاية، ولا أن يقف أمام المجلس الجماعي ليقول:أين حقي؟وهنا بالضبط تبدأ مسؤوليتي.بصفتي رئيسة المنظمة الاجتماعية لحماية الحيوانات، لن أقبل أن تتحول الحيوانات إلى الحلقة الأضعف التي تُخفى خلفها اختلالات تدبيرية محتملة.ولا أقول إنني أملك وحدي الحقيقة.بل أقول إنني أريد أن أعرف الحقيقة.ولهذا سأذهب إلى القضاء وإلى المجلس الأعلى للحسابات، وإلى كل جهة رقابية مختصة، للمطالبة بفتح تحقيق في الاعتمادات والميزانيات التي خُصصت لهذه السياسة العمومية، وبالأخص ما يتعلق بتدبير جماعة سيدي يحيى زعير، والتحقق من الأموال التي استفادت منها، وكيفية صرفها، والصفقات أو الاتفاقيات المرتبطة بها، وما إذا كان لها أثر فعلي على الأرض.إذا كانت الأموال قد صُرفت بشكل قانوني وحققت الأهداف المعلنة، فلتظهر الوثائق والنتائج.وإذا كشفت الرقابة عن اختلالات أو تبديد أو اختلاس، فليقل القضاء كلمته، وليتحمل كل مسؤول مسؤوليته.لن أسمح بأن يكون الحل الأسهل هو قتل الحيوان.لأن قتل الكلاب لا يمحو السؤال:أين ذهبت الأموال التي كان يفترض أن تعالج وضعها؟بل إن قتلها دون معالجة جذور المشكلة يعني أننا ندور في الحلقة نفسها:أموال تُصرف، المشكلة تستمر، الكلاب تُقتل، ثم تظهر كلاب جديدة، وتُطلب أموال جديدة، ويُعاد المشهد من البداية.هذه ليست سياسة عمومية ناجحة.هذا فشل في السياسة العمومية يحتاج إلى مساءلة.والأخطر أن بعض الممارسات التي تُرتكب في الشارع لا تسيء إلى الحيوان وحده؛ إنها تسيء إلى صورة المغرب، وتضرب مصداقية السياسات التي أعلنتها الدولة، وتُظهر عجزًا عن الانتقال من الحلول العشوائية إلى الحلول العلمية والمستدامة.نحن لا نريد قتل الكلاب.نريد أن نعرف أين ذهبت الأموال.نريد التلقيح.نريد التعقيم.نريد الملاجئ الآمنة.نريد المرافق البيطرية.نريد الشفافية.ونريد أن نعرف من المسؤول عن كل درهم من المال العام.فالكلب لا يملك حسابًا بنكيًا، ولا يوقع صفقة، ولا يصرف ميزانية.لكن هناك من يملك كل ذلك.ولهذا يكون سؤالي بعد اليوم:أين ذهبت أموال الكلاب؟وسأبحث عن الجواب في الميزانيات، والصفقات، والوثائق، والتقارير والحسابات، لا في أجساد الحيوانات الملقاة في الشوارع.لأنني أؤمن أن المال العام يجب أن يخضع للمساءلة، وأن الحيوان لا يجوز أن يكون كبش فداء لفشل الإنسان.وفي النهاية، أختصر كل هذا في جملة واحدة:أكلوا الميزانية… ثم قتلوا الكلاب حتى لا يسأل أحد: أين ذهبت الميزانية؟

شاهد أيضاً

ربما لم يحتج تحذير عزيز أخنوش إلى أكثر من ساعات قليلة حتى يجد ما يترجمه على أرض الواقع

ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار يحذر، أمس …

بعد تسريبات العلمي.. مسشار سابق لبنسعيد يسبق الانتخابات والتعيين الملكي.. ويعلن: المنصوري رئيسة الحكومة المقبلة

في تطور سياسي لافت، أثارت تدوينة نشرها نزار عييد، المستشار السابق لوزير الشباب والثقافة والتواصل …

اترك تعليقاً