اعتبر النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن النص الجديد، رغم إدخاله تعديلات مهمة واستجابته لعدد من مطالب المهنة، لم ينهِ الأسباب الجوهرية للخلاف، لأن السؤال الذي طرحته المحاماة منذ البداية “لم يكن سؤال عدد المواد، بل سؤال المبادئ والضمانات”.وجاء موقف النقيب الزياني في تفاعل مع مضامين حوار مطول أجرته جريدة “أنفاس بريس” مع مصطفى الدحماني، المحامي بهيئة سطات والمستشار البرلماني، تحت عنوان: “قانون المحاماة الجديد يوازن بين استقلال المهنة ونجاعة العدالة ويصون ضمانات الدفاع”، حيث أكّد الزياني أن “تحسين القانون شيء، وحل أزمة القانون شيء آخر”.وقال الزياني: “لقد تحقق التحسين في أكثر من موضع؛ أما الحل، فلا يصنعه عدد التعديلات، ولا يعلنه نشر النص، ولا تحسمه الغلبة التشريعية؛ بل يتحقق عندما يلتقي الإصلاح مع استقلال المهنة، ويستعيد المسار ثقة من سيحملون القانون ويطبقونه”.وشدّد رئيس جمعية هيئات المحامين على أن “العبرة في الترافع المهني ليست بعدد التعديلات التي انتقلت، كليا أو جزئيا، إلى النص، وإنما بمصير المبادئ التي قام عليها الترافع من أساسه”، معتبراً أن “جمعية هيئات المحامين بالمغرب لم تدخل هذا المسار لتخوض مفاوضة لغوية حول مواد متفرقة، ولم تجعل غايتها جمع أكبر عدد من التعديلات”.بدلاً من ذلك، دافعت الجمعية، وفق الزياني، عن “تصور متكامل للمحاماة: استقلالها، وتنظيمها الذاتي، وحصانة الدفاع، والسر المهني، واستقلال التكوين، وحدود تدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وشروط الولوج، ومجال العمل، وأشكال الممارسة، والحكامة المهنية والحقوق المكتسبة”.وتوقف الزياني عند نقطة “حصانة الدفاع”، معتبرا أن “المسألة لم تكن قط في وجود عنوان تشريعي اسمه “حصانة الدفاع”، وإنما في مضمون الحصانة وفعاليتها حين تمس سرية العلاقة بين المحامي وموكله، أو تثار إجراءات التفتيش أو الاستماع أو غيرها مما يتصل بممارسة الدفاع”.وأضاف: “فالحصانة لا تستمد قوتها من موقعها داخل النص، بل من قدرتها، ساعة الحاجة، على الانتقال من ضمانة مكتوبة إلى حماية فعلية للدفاع”.أما النقطة الثانية، فتتعلق بـ”التنظيم الذاتي”، الذي “ليس مجرد قواعد لانتخاب المجالس ومدد الولايات وشروط الترشيح، بل يتعلق، قبل ذلك، بمن يملك القرار في شؤون المهنة، ومدى استقلال مؤسساتها المنتخبة في تدبير شؤونها المهنية والمالية والاجتماعية”.وانتقد الزياني مقتضيات القانون التي أبعدت النقباء السابقين عن العضوية العادية للمجالس، وفرضت قيودا على العضوية ومددها، قائلاً: “التداول قيمة، لكنه لا يستلزم إهدار الخبرة، والتجديد لا يقتضي إقصاء الذاكرة المهنية، والانتخاب يظل في الأصل أصدق آليات التداول داخل هيئة حرة تختار ديمقراطيا من يمثلها”.وبخصوص المكاتب الأجنبية، أوضح أن “المسألة فيها ليست رفض الانفتاح، وإنما القاعدة التي ينبغي أن تحكمهما: التكافؤ والمعاملة بالمثل”، محذّرا من أن “لا يستقيم أن يخضع المحامي المغربي لشروط الولوج إلى فضاء مهني أجنبي، بينما يصبح الاستثمار أو المشروع الاقتصادي مدخلاً لتجاوز الضوابط نفسها داخل فضائه المهني الوطني”.وعاد الزياني إلى مسار القانون، مشيرا إلى أن “المشروع لم يصل إلى البرلمان في فراغ، بل سبقه حوار مهني طويل، أعقبه حوار مؤسساتي تحت إشراف رئيس الحكومة، تناول قضايا جوهرية وانتهى إلى توافقات بشأن عدد منها”.غير أن “بعض هذه التوافقات لم يصمد عند انتقال النص إلى المسار التشريعي”، وفق تعبيره، مضيفا: “المفارقة التي تستحق الوقوف عندها أن ما تم التوافق بشأنه مع الحكومة جرى التراجع عن بعضه داخل البرلمان بأصوات أغلبيتها، بل أضيفت في مراحل لاحقة مقتضيات لم تكن واردة في المشروع المحال، ولم تكن موضوعا للحوار مع المهنة”.ولفت الزياني إلى مفارقة أخرى، تتعلق بإحالة القانون على المحكمة الدستورية، حيث “لم تتمكن حتى من الانتقال إلى فحص جوهر دستوريته، لأن الإحالة لم ترفق بالنص المطابق للصيغة النهائية التي وافق عليها البرلمان، فصرحت بتعذر البت لعدم توفر محل الرقابة”.واعتبر أن هذه “نهاية إجرائية شديدة الدلالة لمسار كان يفترض، بالنظر إلى حساسية النص، أن يبلغ الرقابة الدستورية في أوضح صورها وأدقها”.وذهب الزياني إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن “المحاماة وجدت نفسها، في لحظات من هذا المسار، وسط تجاذبات وصراعات سياسية لم تصنعها، ولم تكن مؤسساتها طرفاً فيها، لكنها أدت جانباً من كلفتها”.وقال: “هنا تكمن إحدى مفارقات الملف: أن تتحول مهنة تطالب بضمانات استقلالها إلى ساحة تتقاطع فوقها حسابات ليست حساباتها، ثم يطلب منها بعد ذلك أن تقرأ النتيجة بمعزل عن الطريق الذي أنتجها”.وردّ الزياني على وصف الدراسة للنتيجة بأنها حققت “توازناً توافقياً”، قائلاً: “التوافق ليس حاصل جمع مواد مقبولة وطرح مواد مرفوضة؛ التوافق هو التقاء إرادات حول الجوهر، ولا يتحقق بمجرد تقارب النصوص إذا بقي الخلاف قائماً حول المبادئ التي يعتبرها أحد أطراف الحوار مؤسسة لوجوده واستقلاله”.وختم الزياني تفاعله بالتأكيد أن “المحاماة لم تكن يوما ضد الإصلاح؛ كانت، ولا تزال، مع إصلاح يطورها من دون أن يغير طبيعتها، ويحدث مؤسساتها من دون أن ينتقص من استقلالها، ويفتحها على المستقبل من دون أن يجعل مبادئها ثمنا لهذا العبور”.
■ انفاس بربس

الرسالة موقع إخباري متنوع