جاء في تصريح السيد رئيس جمعية المحامين بالمغرب “أن الجمعية سلكت منذ البداية مسار الحوار المؤسساتي، وتوصلت إلى توافقات مع رئيس الحكومة ووزير العدل، غير أن الحكومة تراجعت عنها بشكل مفاجئ، وهو ما اعتبرته الجمعية اغتيالا للثقة وصفقة سياسية مرتبطة باقتراب نهاية “الولاية الحكومية. وحاليا استحضر : ان المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين. وليست هذه الحكمة مجرد مثل يقال عند الخذلان، بل هي خلاصة تجربة إنسانية وسياسية وأخلاقية، تعلمنا أن الثقة إذا لم تسندها الضمانات قد تتحول إلى سذاجة، وأن الوعود إذا لم تقترن بالفعل قد تصبح مجرد حبر على ورق.أتذكر، وأنا أتابع اليوم معركة المحامين دفاعا عن مهنتهم، تجربة شخصية مريرة عشتها يوم دفعني الحزب إلى خوض معركة الترشح لرئاسة الجماعة، بعد وعود حزبية وتزكية سياسية، قبل أن يتم سحب تلك التزكية بعد تحقق الفوز. يومها خضت معركة انتخابية صعبة، وحذرني أصدقاء ومتعاطفون من الإفراط في الثقة، لكنني صدقت الوعود، فكانت النتيجة خذلانا موجعا. وحين وقع ما وقع، لم أتذكر إلا نصائح أولئك الذين قالوا لي: حذار من الوعود التي لا تدعمها المواقف.أستحضر هذه الواقعة اليوم لا من باب تصفية حساب شخصي، بل من باب العبرة. فالمحامون، بدورهم، سبق أن وثقوا في الحوار، وعلّقوا احتجاجاتهم السابقة أملا في أن تُحترم التوافقات، وأن يصاغ مشروع قانون المهنة بروح تشاركية تحفظ استقلال المحاماة وكرامة الدفاع. غير أن ما وقع بعد ذلك أعاد الجرح إلى الواجهة، حين ظهرت مقتضيات لم تكن محل اطمئنان مهني، وتمس في نظر المحامين جوهر الاستقلالية، وتنظيم الشؤون الداخلية للهيئات، وضمانات ممارسة الدفاع.وتقزيم النقباء وحكماء المهنة والمساس بالشق الاجتماعي للمحامين إن الأزمة اليوم ليست أزمة نصوص تقنية فقط، بل أزمة ثقة. فحين يشعر المحامي بأن استقلال مهنته مهدد، وأن مؤسساته المهنية يراد لها أن تفقد جزءا من سلطانها الداخلي، فإن الاحتجاج لا يكون دفاعا عن امتياز فئوي، بل دفاعا عن مهنة حرة مستقلة، وعن حق المواطن نفسه في دفاع قوي لا يخضع لمنطق الوصاية أو التضييق.وقد وقف المحامون اليوم أمام البرلمان ملتمسين سحب المشروع، لا هروبا من الإصلاح، بل طلبا لإصلاح حقيقي يبنى على الثقة والإنصات والاحترام المتبادل. فالإصلاح لا يفرض على المهن الحرة بمنطق الغلبة، ولا يصاغ ضد أهل الدار، ولا ينجح حين يتحول الحوار إلى وعد مؤجل ثم إلى خيبة جديدة.لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع اليوم هو أن تعطى للمحامين وعود أخرى لا تنفذ، أو أن تتحول صرختهم إلى صرخة في واد، أو إلى خلاصات مكتوبة تودع فوق الرفوف. فالمحاماة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب أن تكون شريكة في قانونها، وأن لا يمس استقلالها، وأن لا تتحول الثقة مرة أخرى إلى جرح جديد.المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، والمهنة التي تحفظ ذاكرة خذلانها لا ينبغي أن تسلم مصيرها إلا لضمانات واضحة، ومواقف صريحة، ونصوص تحترم كرامة الدفاع واستقلاليته ولا ولن يتأتى ذلك إلا بسحب المشروع المشؤوم.
■ سليمة فراجي

الرسالة موقع إخباري متنوع