موعظة: الثعلب والديك

كانت مزرعة يُضرب بها المثل في النجاح والاستقرار، مات مالكها الذي كان يستفيق على صياح الديك لصلاة الفجر، وامتلك المزرعة من بعده ابن له تربى ودرس في بلاد الغرب،
يُقال أنه كان لامعا في دراساته، حذقا في تجاربه، مغرورا بنجاحاته، مزهوا بحاضره متفائلا بمسقبله متجاهلا لماضيه…
جاء الى مزرعة والده، تحذوه نظريات تعلمها، ويكسوه رداء علمي من مناهج موضوعة سيحاول صياغتها كما هيفي مزرعة والده…
صاح الديك معلنابداية فجر جديد، تضايق الابن من هذا الصوت الذي رآه مزعجا، فكر في ذبح الديك، لولا أن تذكر الابن وصية والده التي حملته على احترام الديك والسعي على الحفاظ عليه، فكر الابن وقدر خطة تخرجه من ازعاج الديك دون عناء…
مرت ايام وجاء الابن بمجموعة من الخنازير قصد تربيتها، وكان يتخلل تلك الخنازير هجرس صغير بالكاد يتعلم مبادئ الحياة الأولية… وضع الوافدين الجدد بالقرب من خم الدجاج، في وضع من ”التعايش المفروض”…
نظر الديك بتفحص الى الوضع الجديد، ووجد دجاجاته يزاحمهن في الأكل خنازير تعيث في المكان قذارة وفسادا، خاف الديك على دجاجاته وهَمَّ في وضع المقاتل المنافح، يضرب بمنقاره الخنازير إن اقتربت من حدود سيادته، وينقض على جسد الهجرس الصغير ليجس نبض الطموح الثعلبي الذي يحمل…
كان الأمر مقدورا عليه بالنسبة للديك في الشهر الأول، لكن في بدايات الشهر الثاني أضحى التعب يملأ كيانه، وزاد التعب تعبا هو تغير سلوك الهجرس الذي اضحى يرد مهاجمة الديك بالضرب والردع، لاحظ الديك هذا التحول، وصاح في يومه ذاك كثيرا في غير المواقيت التي يصيح فيها، كان صياحه طول الوقت مقدمة لوهنه وضموره…
أقبل فجر جديد وغاب صياح الديك، فتح الابن إحدى عينيه وابتسم لنجاح خطته، وعند ظهر ذلك اليوم قام من فراشه، وذهب الى الخُم ليتأمل الديك، فوجده عليلا هزيلا، نادى على شهود الوصية من خدم وقيمين يساعدونه على إدارة المزرعة، وسالهم في ذهول: ما لهذا الديك؟
انتظر بعض الوقت واختار من الخدم والأتباع من يعزف على سمفونية إرادته ورغبته، ودعاه للاجابة عن السؤال، أجاب أحد الخدم:
الديك جرى به العمر وهو في حالة يرثى لها، وأرى أن نعجل بموته رحمة به يا سيدي…
تدخل أحد الخدم معارضا:
الديك مريض لأن جوار الخم خنازير تعبث بقوته، وهجرس يهدد وجوده…
تدخل السيد بنوع من الزجر والتنبيه:
هل انت هنا أيها الخادم الوضيع لتعترض على خطتي في الانتاج وتطوير مزرعة الوالد؟
سكت الخادم المسكين وهو يعض على شفتي فم أفصحت بالحق في وجه عالم يريد النفاق… ثم انه استدرك وقال:
عذرا سيدي على تدخلي الأحمق، وأرى ان الديك مصدر تهديد للمجتمع الإنتاجي وعلينا التخلص منه بالأسلوب الذي يليق به…
ابتسم السيد لسرعة بديهة الخادم التي أنجته من الطرد، وقال زاجرا : ماذا تقترح؟
قال الخادم وهو يتأمل المحيط من بني رتبته ويعلم مسؤولية ما سيتفوه به:
أرى سيدي أن يُحجر على الديك، الى حين أن يصبح الهجرس ثعلبا، ونسلمه له ليكون أول مأدبة له تعبر عن التعايش والتكامل واستمرارية الحياة…
صفق السيد للخادم وقال: هكذا أريدكم أن تفكروا بقيم غير التي ورثموها عن آبائكم، تعايشوا مع الوضع الذي آخذكم إليه، هكذا تحافظون على المزرعة وعلى الانتاج وعلى رواتبكم…
وهكذا كان… قُدم الديك المسكين طعاما لثعلب بالكاد تعلم الصيد والافتراس، وَثَّق الحدث سيد المزرعة وبعض أصدقائه الأجانب واستمتعوا بقيم التعايش والترايش التي تلت الموقف بعدها، فالدجاجات اللواتي كن يبضن، صرن يبضن ويربين كتاكيتهن ليلتهمهن ثعلب السيد… أما صياح الديك وصلاة الفجر فما عاد لهما وقع ولا أثر ولا حركات في تلك المزرعة…

■ مالك بوروز

شاهد أيضاً

تكريم أستاذة ب”صينية”!

في واقعة أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، تم تداول صورة لتكريم أستاذة جامعية …

كلينت إيستوود يكسر الصمت: “الوحوش تختبئ خلف المجد”

في ليلة الثلاثاء التي عمتها الفوضى بعد جلسة 14 أبريل/نيسان المثيرة للجدل، أدى غياب بام …

اترك تعليقاً