في خضم الجدل المثار اين رئيس الحكومة الذي من حقه ايضا الاحالة على المحكمة الدستورية ؟-ليس من الحكمة، ولا منطق دولة القانون، ودستور 2011 الذي رفع سقف الحقوق والحريات أن يتحول خطأ مسطري إلى نهاية لمسار دستوري يفترض أن يفضي إلى إخضاع قانون ينظم مهنة من صميم منظومة العدالة لرقابة المحكمة الدستورية.فقرار المحكمة الدستورية الأخير بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لم يفصل في مدى دستورية مقتضيات القانون موضوعاً، وإنما صرّح بتعذر البت في الإحالة في وضعيتها الحالية، بعدما تبين أن الملف المحال إليها لم يتضمن النسخة النهائية من النص كما وافق عليها مجلس المستشارين في القراءة الثانية.وبحسب المعطيات فقد تمت الإحالة في 8 يوليوز، بينما تضمنت الوثائق المرفقة نسخة سبق أن وافق عليها مجلس النواب في 6 يوليوز، في حين أن النص الذي استكمل مساره التشريعي هو النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في 7 يوليوز. ولذلك اعتبرت المحكمة أن الأمر لا يتعلق بمجرد نقص شكلي في الوثائق، وإنما بمحل الرقابة الدستورية ذاته. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.هل الخطأ في الإحالة يتحول إلى إعدام للرقابة الدستورية؟ إذا افترضنا جدلاً أن الخلل وقع على مستوى رئاسة مجلس النواب، فإن أول سؤال يجب أن يطرح ليس: من المخطئ؟ وإنما: كيف نصحح الخطأ؟فالغاية من الرقابة الدستورية السابقة ليست معاقبة المؤسسة التي ارتكبت خطأ مسطرياً، وإنما تمكين المحكمة الدستورية من ممارسة الاختصاص الذي خولها إياه الدستور، والتأكد من مطابقة القانون للدستور قبل دخوله حيز التنفيذ.ومن ثم، فإن المسؤولية القانونية عن احترام المسطرة شيء، والمسؤولية الدستورية والسياسية عن ضمان استمرار إمكانية الرقابة شيء آخر.وحتى إذا ثبت أن جهة الإحالة الأولى لم تقدم للمحكمة النص الصحيح، فإن ذلك لا يعني أن الباب الدستوري قد أغلق.بالرجوع إلى الفصل 132 مجده لا يجعل رئيس مجلس النواب صاحب الحق الوحيد في الإحالة و هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش.اعتبارا من كون الفصل 132 من الدستور ينص صراحة على أنه يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور. أي أن المشرع الدستوري لم يجعل الرقابة الدستورية السابقة حكراً على جهة واحدة.وهذا الاختيار ليس عرضياً؛ فهو يعكس إرادة دستورية واضحة في توفير أكثر من طريق لتفعيل الرقابة على دستورية القوانين، بما ينسجم مع مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ يؤكدها الفصل الأول من الدستور. وبالتالي، فإن القول بأن عدم إعادة الإحالة من طرف رئيس مجلس النواب يعني بالضرورة نهاية إمكانية عرض القانون على المحكمة الدستورية، يحتاج إلى تدقيق دستوري.وفي خضم الجدل الدستوري القانوني المهني المجتمعي أين رئيس الحكومة من هذه المسألة؟إذا كان رئيس مجلس النواب، وفق ما نشرته “تيل كيل”، لا ينوي إعادة إحالة النص بعد تصحيح المسطرة، فإن السؤال المشروع ينتقل تلقائياً إلى باقي أصحاب الحق في الإحالة.وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الذي اخلف وعده مع المحامين سابقا فالفصل 132 منحه صراحة هذا الاختصاص، وليس بوصفه مجرد طرف سياسي في المسار التشريعي، وإنما باعتباره إحدى الجهات الدستورية التي خول لها المشرع الدستوري تحريك الرقابة السابقة على القوانين العادية.ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون موجهاً حصراً إلى رئيس مجلس النواب:لماذا لا يبادر رئيس الحكومة إلى استعمال الاختصاص الذي منحه له الدستور، إذا كان حريصاً على أن تخضع الصيغة النهائية لقانون مهنة المحاماة للرقابة الدستورية؟ولا يتعلق الأمر هنا بالتدخل في اختصاص المحكمة الدستورية، بل بالعكس تماماً: يتعلق الأمر بتمكينها من ممارسة اختصاصها.فإذا أخطأت جهة، فهناك جهات أخرىهذه هي الخلاصة القانونية التي ينبغي تثبيتها.لا يمكن أن نختزل الفصل 132 في رئيس مجلس النواب وحده. فالدستور أنشأ تعدداً في الجهات التي تملك حق الإحالة، بما يسمح بتفادي أن يؤدي خطأ إجرائي صادر عن جهة واحدة إلى تعطيل الرقابة الدستورية.ومن ثم، إذا كان الخلل الذي سجلته المحكمة الدستورية يتعلق بالإحالة الأولى، فإن الطريق الدستوري يظل مفتوحاً – من حيث المبدأ – أمام الجهات الأخرى التي منحها الفصل 132 هذا الحق، ما دام القانون لم يصدر الأمر بتنفيذه.وهنا تبرز مسؤولية رئيس الحكومة، ورئيس مجلس المستشارين، وكذلك أعضاء البرلمان الذين تتوافر فيهم النصاب الدستوري اللازم للإحالة.بل إن هذا هو جوهر فلسفة الفصل 132: تعدد الجهات ضمانة لعدم احتكار الرقابة الدستورية وتعطيلها.وقد سبق للمحكمة الدستورية نفسها أن تعاملت مع إحالة مقدمة من 93 عضواً بمجلس النواب في شأن قانون تنظيم مهنة العدول، واعتبرت أن الإحالة المقدمة من العدد المطلوب دستورياً، وقبل إصدار الأمر بالتنفيذ، تكون متقيدة بأحكام الفصل 132. للإشارة لا نبحث عن المسؤول فقط، بل عن المخرجات الدستورية اعتبارا من كون النقاش الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة سياسية لشخص أو مؤسسة.نحن أمام قانون يتعلق بمهنة المحاماة، أي بمهنة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع وبحسن سير العدالة وبضمانات المتقاضين.ومن الطبيعي، بل من المشروع دستورياً، أن يطمئن المحامون والرأي العام إلى أن النص النهائي الذي وافق عليه البرلمان قد مر عبر الرقابة الدستورية السابقة متى تم تفعيلها وفق الشروط الدستورية.لذلك، فإذا كان هناك خطأ في الإحالة الأولى، فالمطلوب هو تصحيح الخطأ، لا إغلاق باب الرقابة.وإذا كانت جهة قد أخطأت في تحديد النص المحال، فإن الدستور لم يترك البلاد رهينة لهذا الخطأ؛ فقد منح حق الإحالة لعدة جهات دستورية.واختم بالقول اين الوعد الوعد السياسي للحكومة؟هناك أيضاً بُعد سياسي لا يمكن تجاهله.فالحكومة لم تكن مجرد متفرج على هذا المسار التشريعي، ووزير العدل كان طرفاً رئيسياً في النقاش حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، كما أن رئيس الحكومة سبق أن دخل في حوار مع المحامين وقدم التزامات سياسية بشأن معالجة الإشكالات التي أثارها المشروع.ومن ثم، فإن المسؤولية السياسية للحكومة لا تنتهي بمجرد إحالة النص إلى البرلمان.إذا كان رئيس مجلس النواب قد اختار، بحسب ما نشر، عدم إعادة الإحالة، فإن الكرة ليست بالضرورة قد خرجت من الملعب الدستوري.بل يمكن أن يكون السؤال موجهاً مباشرة إلى رئيس الحكومة:سيادة رئيس الحكومة المحترم هل ستمارسون الاختصاص الذي منحكم إياه الفصل 132 من الدستور، أم ستتركون خطأً مسطرياً في إحالة أولى يؤدي عملياً إلى حرمان قانون مهنة المحاماة من الرقابة الدستورية السابقة؟إن الجواب عن هذا السؤال سيكون أكثر من مجرد موقف سياسي؛ سيكون تعبيراً عن مدى احترام المؤسسات للمنطق الذي أقام عليه دستور 2011 العلاقة بين السلط، والقائم على التعاون والتوازن وربط المسؤولية بالمحاسبة.ليست معركة مع مؤسسة، وإنما دفاع عن الدستوروالمحامون لا يطالبون بامتياز خارج الدستور.ولا يطالبون بأن تحكم المحكمة الدستورية مسبقاً بدستورية القانون أو بعدم دستوريته.المطلب أبسط وأعمق:أن تتمكن المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها على النص النهائي الذي صادق عليه البرلمان فعلاً.أما إذا كان الخطأ قد وقع، فالقانون الدستوري لا يعالج الأخطاء بمنطق الاستسلام لها، وإنما بمنطق تصحيح المسار داخل المؤسسات ووفق الاختصاصات التي رسمها الدستور.ولذلك، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تُختزل في شخص رئيس مجلس النواب وحده.فإذا أخطأت جهة في الإحالة، فإن الدستور ترك جهات أخرى قادرة على تحريك الرقابة.وإذا امتنع رئيس مجلس النواب عن إعادة الإحالة، فإن السؤال ينتقل دستورياً إلى رئيس الحكومة وإلى باقي الجهات التي منحها الفصل 132 حق الإحالة.وفي دولة المؤسسات، لا ينبغي لخطأ مسطري أن يصبح قدراً محتوماً، ولا ينبغي أن يتحول تقصير جهة إلى تعطيل لاختصاص مؤسسة دستورية بأكملها.إن الطريق ما زال واضحاً: احترام الدستور، تصحيح المسطرة، وإتاحة الفرصة للمحكمة الدستورية لتقول كلمتها في النص النهائي.أما أن يُقال إن جهة أخطأت، ثم يُغلق الباب لأن الجهة نفسها لا تريد إعادة الإحالة، فذلك يطرح سؤالاً دستورياً أكبر من الخطأ الأول:هل الغاية هي تصحيح المسطرة وتمكين المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها، أم أن الخطأ المسطري سيُستعمل ذريعة لإنهاء الرقابة قبل أن تبدأ! ما هكذا يا سعد تورد الإبل ولامجال لترك المزايدات السياسية تعصف بتاريخ فرسان البذلة السوداء.

الرسالة موقع إخباري متنوع