جوهر دوداييف: البطل الشيشاني المسلم الذي حارب الاستعمار الروسي

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي المعاصر. كان زعيم الاتحاد السوفيتي وقتها “ستالين” قد أصدر أمره الإجرامي بتهجير الشعب الشيشاني المسلم بأكمله عن آخر بكرة أبيه إلى صحارى آسيا الوسطى، بتهمة ملفقة لا أساس لها.فحُشر نحو نصف مليون مسلم شيشاني وإنغوشي في عربات الماشية، وفي الطريق استُشهد منهم آلاف الأبرياء، شيوخًا ونساءً وصغاراً، جوعًا وبردًا وقهرًا، في جريمة عقاب جماعي لم يرحم فيها الاتحاد السوفيتي حتى الـ.ـر ضّـ/.ع. هذا في هذه الظروف البائسة، وبين آلام التشريد والظلم، وُلد ذلك البطل المسلم: “جوهر دوداييف”.في المنفى نشأ الطفل، يسمع حكايات الوطن المسلوب، ويكبر مؤمنًا في دولة لا ترحم الإسلام ولا أهله. ولم يطأ أرض أجداده إلا عام 1957، حين سُمح أخيرًا لشعبه بالعودة من جحيم المنفى.اختار “دوداييف” العسكرية، فدخل سلاح الجو السوفيتي، وصعد حتى أصبح أول مسلم يقود فرقة قاذفات استراتيجية ضمن المنظومة النووية السوفيتية. لكن المعدن الحقيقي للرجل ظهر حين أُمر بقصف مدنيين عُزّل في إستونيا (على بحر البلطيق) يطالبون باستقلالهم. رفض دوداييف الانصياع، وصرخ في وجه قادته: “كيف لي أن أقصف أبرياء يدافعون عن بيوتهم وأوطانهم؟!” ثم استقال من جيش الاحتلال السوفيتي، وعاد إلى وطنه الشيشان عام 1990، يحمل حلمًا واحدًا لا يتزحزح: تحرير أرضه من براثن الاستعمار الروسي.في أكتوبر 1991، خاض الانتخابات، وفاز بأغلبية ساحقة، ليصبح أول رئيس منتخب لجمهورية الشيشان المسلمة المستقلة. فأعلن استقلال بلاده عن الإمبراطورية المنهارة، وأعاد إحياء الهوية الإسلامية بعد عقود من القمع والكفر المفروض بالقوة. لكن موسكو، بقيادة رئيسها “يلتسين”، لم تحتمل أن يفلت من قبضتها شعب مسلم يطلب حريته، فقررت سحقه بالحديد والنار.في ديسمبر 1994، اجتاحت الدبابات الروسية الشيشان، فاندلعت حرب الشيشان الأولى، التي لم تكن حربًا بالمعنى المتكافئ، بل محاولة روسية من أجل |B|دö لشعب صغير من قِبل إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم. لكن دوداييف ومجاهديه واجهوا الإجرام الروسي بحرب المدن والعصابات، وألحقوا بالجيش الروسي هزائم مُذلة لم يتوقعها أحد، خاصة في مدينة غروزني، التي حوّلها القصف الروسي الهمجي إلى ركام، واستشهد تحتها عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين الأبرياء، في جريمة شنعاء وثّقتها منظمات حقوقية دولية ووصفتها بأنها من أعنف الحروب في القرن العشرين.لكن روسيا، وهي تعجز عن هزيمة “دوداييف” في ميدان القتال، لجأت إلى سلاح الغدر والخديعة. كان الرجل حذرًا للغاية، يعرف أن المخابرات الروسية تطارده ليل نهار، فلا يبيت في مكان مرتين، ويختصر مكالماته عبر هاتف الثريا الفضائي (جهاز اتصال متطور يعتمد على الأقمار الصناعية لربط المستخدمين في المناطق النائية التي لا تتوفر فيها شبكات المحمول التقليدية) إلى أقل من ثلاث دقائق تجنباً لرصد الإشارة من الروس.غير أن الفخ جاء هذه المرة عبر غطاء “المفاوضات والوساطة”؛ إذ كشفت التقارير الصحفية الروسية — كما أوردت صحيفة “إزفستيا” (العدد 78، بتاريخ 25 أبريل 1996) ونقلتها الصحافة العالمية مثل “لوس أنجلوس تايمز” و”الصحف العربية” — عن كواليس اللحظات الأخيرة في حياة دوداييف، حيث كان لخيانة حاكم عربي رأي آخر. ففي مساء 21 أبريل 1996، كان جوهر دوداييف يجري اتصالًا عبر هاتفه الفضائي ضمن قناة الاتصال الرسمية التي فتحها الملك المغربي “الحسن الثاني” بطلب مباشر من الرئيس الروسي بوريس يلتسين للتوسط في إنهاء النزاع؛ حيث كان دوداييف على الطرف الآخر من الخط مع أحد مساعدي الملك المكلفين بمتابعة ملف الوساطة من داخل الديوان الملكي.وقد أوردت عدة مصادر وشهادات لقادة شيشانيين مقربين من دوداييف، إلى جانب كتابات محللين عسكريين روس، أنه كان يخاطب الملك الحسن الثاني شخصياً في تلك اللحظات الحاسمة لترتيب تفاصيل مبادرة السلام، حيث استغل يلتسين ثقة دوداييف بملك المغرب لتدبير هذا الكمين.وإليك نص ترجمة الفقرة الخاصة بدور الحسن الثاني، حسب ما نشرته صحيفة “إزفستيا” الروسية (Известия ) بتاريخ 25 أبريل 1996/ العدد 78، ونقلته عنها صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” الأمريكية (Los Angeles Times) والسفير اللبنانية:«أن الرئيس الشيشاني وممثله الشخصي في موسكو قتلا عندما كان دوداييف يجري اتصالًا بأحد مساعدي الملك المغربي الحسن الثاني الذي كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين طلب منه التوسط لإنهاء النزاع.»وفي أثناء تلك المكالمة، أُطيلت مدة الاتصال عمداً من الطرف المغربي لبضع دقائق إضافية؛ وكانت تلك الدقائق المفتعلة حاسمة لطائرة استطلاع روسية كي تلتقط الإشارة وتحدد موقع الهاتف الفضائي بدقة متناهية. فأطلق الروس صاروخَين موجَّهَين نحو موقع المحادثة، ليُستشهد “جوهر دوداييف” على الفور هو ومن معه قرب قرية “غيخي-تشو”، بعدما لم يتوقع أن تأتيه الخيانة من ملك عربي مسلم ينسب نفسه لآل البيت ويتلقب بـ “أمير المؤمنين”!!.ليرحل بذلك الرجل الذي رفض يوماً أن يقـ.صـ.ف بريئاً، ضحيةً لجريمة |۶تـ.يـ.ـال خبيثة وُظِّفت فيها أدوار الوساطة لتنفيذ المخطط.استُشهد جوهر دوداييف، لكنه لم يُهزم. لم تُسقطه روسيا في معركة، بل تخلصت منه عن بعد لأنها عجزت عن مواجهته بشرف وجهاً لوجه. واستمر النضال من بعده على دربه، حتى استعاد الشيشانيون غروزني في أغسطس 1996 بقيادة كل من “أصلان مسخادوف” و”شامل باساييف”، وأجبروا الجيش الروسي على توقيع اتفاق هدنة، في هزيمة مدوّية لم تشهد روسيا مثلها منذ الحرب الباردة.لم يكن دوداييف طالب سلطة ولا مال. بل رفض كل عروض النفي الآمن والثروة، وآثر أن يبقى مع شعبه حتى الرمق الأخير. وحين سُئل عن عدد جنرالات جيشه، أجاب بكل تواضع المؤمن الواثق: “كل فرد في الشيشان جنرال، وأنا لست إلا واحدًا من المليون.” كانت كلماته الأخيرة وصية لشعبه: “الوقوف بشرف ولو ليوم واحد، خير من حياة الذل عبدًا مئة عام.”استُشهد دوداييف، لكن اسمه ظل يتردد في كل بيت شيشاني، رمزًا للإيمان والكرامة والصمود، ودليلاً أن إرادة شعب مسلم يؤمن بربه لا تُكسر بصاروخ ولا تُشترى بمال، مهما طال ليل الظلم.

شاهد أيضاً

آخر كلمات معاوية بن أبي سفيان قبل وفاته

قبل وفاة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.. كانت آخر خطبة خطبها رضي الله …

جمال عبدالناصر خلال زيارته لمواقع الجيش الثاني على الجبهة بالإسماعيلية فى يوم الإثنين 1 يونيو 1970.

هذه هى أخر زيارة لجمال عبد الناصر للجبهة وجاءت بعد يومين من نجاح عملية لقوات …

اترك تعليقاً