جاء في الحديث المشهور قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة ، قيل : وما الرويبضة يارسول الله ؟ ، قال : الرجل التافه في أمر العامة ” وفي حديث آخر : ” إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قيل كيف إضاعتها يارسول الله ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ” وروي أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعمله أي أن يجعله مسؤولا على جهة من الجهات ، فقال له عليه الصلاة والسلام ” يا أبا ذر إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى حقها ” هذه المسؤولية اليوم وسدت إلى غير أهلها ، فقد تصدى لها الرويبضة ، الرجل التافه الأمي الجاهل الذي لا يمكن أن يؤدي حقها ، إذ إن المسؤولية هي من المصالح الضرورية للأمة التي يجب أن يقوم بها من هو لها أصلح ، وبتدبير شؤونها أقوم وأقدر ، من العلماء والخبراء من أهل الفقه والقانون والطب والاقتصاد والتربية والهندسة والعمران، وقد قال أمير المومنين ملك البلاد في خطابه : ” التصويت يجب أن يكون لصالح المرشح الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية والحرص على خدمة الصالح العام ” والفقهاء ذكروا الشروط التي يجب أن تتوفر في المسؤول الذي يتصدى لتسيير شؤون الأمة ، أولها التقوى الجامعة لشروطها أي أن يكون تقيا ورعا بعيدا عن الشبهات ، فهذه الصفة تمنعه من أن يكون خائنا للأمانة سارقا لأموال الأمة ، الشرط الثاني العلم الذي يتوصل به إلى إدراك حقائق الأمور ، العلم وليس المعرفة التي هي فقط إدراك صور الأشياء التي يلتقطها الإنسان عن طريق مخالطته للناس وتجربته في الحياة فتتكون لديه معرفة عامة يظنها علما نافعا يؤهله لتحمل المسؤولية ولأن يكون في الصدارة فيكثر من الكلام ويرفع صوته أكثر من غيره ، ومثل هذا حذر منه أيضا ملك البلاد أمير المومنين في خطابه حينما قال ” والتصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر الكلام ويرفع صوته أكثر من الآخرين بشعارات فارغة ” فالعلم هو أساس النهضة والتقدم والخير كله ، ولذلك قرن الله العلم بالتكريم والتبجيل ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ” ، ” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ” وقرن المعرفة بالنكران والجحود ” يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ” ينكرونها لأنهم أدركوا صور النعم ولم يدركوا حقيقتها بالعلم ، ولو أدركوا حقيقتها لما أنكروها ولشكروا الله عليها .ومن البديهيات عندنا عرفا وقانونا أن الأمي الجاهل لا يستحق أن ينصب ولو في أدنى وظيفة حكومية مهما بلغت مداركه واتسعت معارفه فكيف يرتقي في الانتخابات ليصبح رئيسا ونائبا عن الأمة متحدثا باسمها .الشرط الثالث الذي ذكره الفقهاء الرأي والحكمة المؤديان إلى حسن الاختيارات ، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات ، والقدرة على التحكم في زمام الأمور عند المواقف الصعبة والأزمات ، فمن توفرت فيه هذه الشروط الأساسية من التقوى والعلم والرأي الحكيم كان أهلا للنيابة ، صالحا لأن يكون من أهل الحل والعقد في المجالس البلدية والجهوية والوطنية ، هذه هي المقاييس التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار وإلا صار الأمر – كما قال العالم المغربي عبد الله كنون – إلى يد الغوغاء من عامة الشعب وأصبح الجهال والانتهازيون يتصرفون في شؤون الشعب ، ويشرفون على مقدرات الأمة فلم تزل تنزل من درك إلى درك حتى صارت إلى ما هي عليه الآن .
■ المفضل خليل المومني

الرسالة موقع إخباري متنوع