Screenshot

الدعم العمومي للصحافة… هل نصلح القطاع أم نعيد توزيع الأموال؟

■ ذ. زهير

أصدوريثير التوجه الحكومي نحو إنهاء المساهمة المباشرة في أداء أجور الصحافيين، والانتقال إلى نظام يقوم على توجيه الدعم العمومي إلى المقاولات الصحافية، أسئلة تتجاوز التدبير المالي إلى جوهر السياسة العمومية في مجال الإعلام، ومدى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية للقطاع، وحماية الحقوق الاجتماعية، وضمان استقلال الصحافة.فالقضية ليست في تغيير الجهة التي تتوصل بالأموال العمومية، بل في معرفة ما إذا كان هذا التحول سيؤسس لإصلاح حقيقي، أم سيقتصر على إعادة توزيع الموارد دون تغيير جوهري في أوضاع الصحافة والصحافيين.من حيث المبدأ، ليست الحكومة مشغلا للصحافيين العاملين بالمقاولات الخاصة، ولا يمكن أن تتحول الآلية الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا إلى نظام دائم يعفي المؤسسات الإعلامية من التزاماتها القانونية والاجتماعية. غير أن إنهاء هذه الآلية يفرض على الحكومة ضمان انتقال عادل يحمي مناصب الشغل والحقوق المكتسبة، ويحول دون تحميل الصحافيين الكلفة الاجتماعية للإصلاح.فهل قيّمت الحكومة نتائج الدعم الاستثنائي منذ سنة 2020؟ وهل تأكدت من قدرة المقاولات على تحمل كتلة الأجور؟ وما الضمانات التي وضعتها لحماية العاملين من التسريح والهشاشة المهنية؟ثم إن ربط الدعم بشروط الهيكلة والانتظام الضريبي والاجتماعي، رغم مشروعيته، ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإقصاء المقاولات الصغيرة والجهوية والمستقلة، أو تكريس هيمنة المؤسسات الأكثر قدرة ماليا وإداريا، بما قد يهدد التعددية الإعلامية.وهنا يبرز سؤال أساسي: هل ستنتج منظومة الدعم الجديدة مقاولات صحافية أكثر استقلالا ومهنية، أم ستعيد إنتاج التفاوتات القائمة وتكرس التبعية للتمويل العمومي؟إن الفصل 28 من الدستور، الذي كرس حرية الصحافة، يفرض التمييز بين مسؤولية الحكومة عن تدبير سياسة الدعم، ومسؤولية الدولة عن حماية حرية الصحافة واستقلالها. فالدعم العمومي ليس امتيازا يمنح مقابل الولاء، بل آلية يفترض أن تخدم المصلحة العامة، وفق معايير شفافة وعادلة وخاضعة للمراقبة والتقييم.كما ينبغي ربط الاستفادة من المال العام باحترام حقوق الصحافيين، وانتظام أداء أجورهم، والوفاء بالالتزامات الاجتماعية، وجودة المنتوج الإعلامي، حتى لا يتحول الدعم إلى مصدر للريع أو أداة للتأثير في استقلال القرار التحريري.فأي جدوى من تمويل مقاولة صحافية من المال العام إذا كانت عاجزة عن ضمان الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين بها؟ وكيف نطالب الصحافي بمساءلة السلطة بكل استقلال وهو يعيش تحت هاجس فقدان أجره أو منصب شغله؟إن الإصلاح الحقيقي يتطلب أكثر من تغيير آليات الصرف؛ إنه يستدعي مراجعة النموذج الاقتصادي للمقاولة الصحافية، وتنويع مواردها، وضمان المنافسة العادلة، وإشراك الهيئات المهنية والنقابية في بلورة السياسات العمومية للقطاع.فالحكومة مسؤولة عن شفافية الدعم وعدالة توزيعه، والمقاولات ملزمة باحترام حقوق العاملين، والدولة مطالبة بضمان حرية الصحافة واستقلالها وفق الدستور.وفي المحصلة، إذا تغيرت طريقة التمويل وبقيت الهشاشة المهنية والتبعية المالية والاختلالات البنيوية، فأين يكمن الإصلاح؟إن المغرب لا يحتاج فقط إلى مقاولات صحافية تستفيد من الدعم العمومي، بل إلى صحافة مهنية ومستقلة تستحق ثقة المجتمع، وتملك القدرة على مساءلة السلطة، بما فيها السلطة التي تقرر منحها الدعم.فالغاية من الدعم العمومي ليست مجرد ضمان استمرار المقاولات، وإنما بناء صحافة حرة ومستقلة، وصون كرامة الصحافيين، وخدمة حق المجتمع في إعلام مسؤول ومتعدد.

Screenshot

شاهد أيضاً

تسريب معطيات شخصية لصحافيين مغاربة

كشفت معطيات صادرة عن منتدى إلكتروني متخصص عن تسريب وثائق واستمارات رسمية تتضمن معطيات شخصية …

النقابة الوطنية للصحافة الاستيقاظ المتأخر .. خير من التمادي في الأوهام

■ محفوظ آيت بنصالح.. صحفي مهني أثار الإعلان المتأخر للنقابة الوطنية للصحافة المغربية عن الترشح …

اترك تعليقاً