مقال كتبته سنة 2016 ونشره موقع هسبريس ولا ادري ان كان لا يزال صالحا بعد مرور عشر سنوات ام انه اصبح متجاوزا واترك تقديره للقراء أعيد اليوم نشر هذا المقال الذي كتبته سنة 2016، بعد تحيينه، لأن السؤال الذي طرحته قبل عشر سنوات ما يزال، للأسف، يفرض نفسه بإلحاح:
هل نجحنا فعلاً في إنصاف المرأة داخل الحياة السياسية، أم أننا اكتفينا بتغيير الأرقام واللوائح دون أن نغير العقليات؟
لا ننسى انه خلال استحقاقات 2021 فان عدد الفائزات في الدوائر المحلية لم يتجاوز ست نساء، في مقابل 89 سيدة علر اللوايح الجهوية. اي الكوطا ورغم أن هذه النسبة هي الأعلى تاريخيًا (95 من أصل 395 نائبًا)، فإن مصدرها ليس إرادة حزبية صادقة في ترسيخ المناصفة، بل استجابة تقنية لمقتضيات قانونية( نظام الكوطا الذي كنا نعتبره اجراء مرحليا) نص المقال من منا، في سنوات الدراسة والشباب، لم يكن مفتوناً ببرامج الأحزاب الحداثية وشعاراتها الرنانة؟ومن منا لا يتذكر تلك السنوات المليئة بذكريات لا يطالها النسيان، حيث كانت تيارات اليسار وأيديولوجياته البراقة تستقطب جيلاً بأكمله؟لا زلت أتذكر العنف الذي مورس على عمتي من طرف العائلة عندما ضُبطت، وهي لا تزال تلميذة في الثانوية، تهتف باسم تشي غيفارا وماو تسي تونغ، وتحمل كتابه الأحمر، بل كانت تخفي كتاب «رأس المال» لكارل ماركس ضمن أغراضها الشخصية.كما لا أنسى صديقتي الطبيبة التي كانت تهتف، في سنوات الشباب، بالثورة البلشفية. رأيتها تبكي ذات يوم ونحن نزور قبر لينين في موسكو. سألتها عن سبب بكائها، فأجابتني بأنها تبكي على سنوات من الافتتان، وعلى جهلها آنذاك ببعض الحقائق وعلى الصورة المثالية التي رسمناها لمن كنا نعتقد أنهم أنصاف آلهة، قبل أن تسقط الأقنعة وتنكشف حقائق التاريخ وتعقيداته.كانت تلك سنوات الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب، وكان مجرد عدم انتمائك إلى اليسار كافياً لتنهال عليك أوصاف الرجعية والتخلف.ولذلك ربما كنت، مثل كثيرين من أبناء جيلي، أعتقد أن الأحزاب الحداثية، ذات الامتداد اليساري أو المرجعية التقدمية، ستكون بطبيعة الحال الأكثر إنصافاً للمرأة، والأكثر إيماناً بقدراتها وكفاءتها، بعيداً عن العقلية الذكورية والمعيقات السوسيوثقافية.لكن التجربة، بكل أسف، علمتني أن الشعارات شيء، والممارسة شيء آخر.عندما تصطدم الشعارات بالواقعخاب ظني عندما عاينت حالات تم فيها إقصاء كفاءات نسائية عن سبق إصرار، وتعجبت أكثر عندما امتنعت بعض الأحزاب عن ترشيح نساء لمع نجمهن في مجالات المعرفة والسياسة والعمل المدني.كنت أعتقد، ربما بسذاجة سياسية، أن القوانين والمؤسسات أصبحت تلعب دوراً حاسماً في النهوض بتمثيلية المرأة داخل المؤسسات المنتخبة، وأنها قادرة على مواجهة الإكراهات الثقافية التي يفرضها النسق السوسيوثقافي والنظرة الدونية التي لا تزال، أحياناً، تقزم قدرات المرأة وتحصرها في قضايا الأسرة والطفل والأشغال الاجتماعية، وتبعدها عن السياسة والقرار وتدبير الشأن العام.كنت أعتقد أن الكفاءة ستفرض نفسها.لكنني اكتشفت، مع مرور الزمن، أن الطريق إلى مواقع القرار لا يمر دائماً عبر بوابة الكفاءة والاستحقاق.هل تغير شيء فعلاً؟مرت عشر سنوات على كتابة هذا المقال، وتحققت بعض المكتسبات بلا شك، وتطورت النصوص القانونية، وتعزز حضور المرأة في عدد من المؤسسات.لكن السؤال الجوهري ما يزال قائماً:هل تغيرت الثقافة السياسية للأحزاب؟وهل أصبحت المرأة تُختار لأنها الأكثر كفاءة وقدرة على القيادة؟أم لأنها تستجيب لتوازنات داخلية، أو حسابات انتخابية، أو اعتبارات القرابة والولاء والنفوذ؟لقد كان حلمي أن أرى امرأة تتولى رئاسة مجلس النواب مثلا لا باعتبار ذلك امتيازاً ممنوحاً للنساء، وإنما باعتباره نتيجة طبيعية لوجود كفاءات نسائية قادرة على تحمل المسؤولية.كما ظل اختلال تمثيلية المرأة داخل عدد من المؤسسات المنتخبة قائماً، سواء بسبب ضعف احترام روح النصوص القانونية أو بسبب التحايل على مقتضياتها، أو نتيجة الانتقاء الذي تحكمه أحياناً المحسوبية والزبونية والولاءات الضيقة.وإذا كان دستور 2011 قد جعل من المساواة والمناصفة أفقاً دستورياً، فإن المسافة بين النص والممارسة ما تزال تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية.المرأة ليست زينة انتخابية ولا خزانا انتخابيا السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بصراحة هو:هل المشكلة في نقص كفاءة النساء عندما يتعلق الأمر بالسياسة وتدبير الشأن العام ومواقع القرار؟أم أن المشكلة توجد في ثقافة لا تزال تجد صعوبة في قبول المرأة في موقع القيادة؟هل نريد المرأة شريكة كاملة في صناعة القرار؟أم نريدها رقماً داخل لائحة؟هل نريدها فاعلة سياسية؟أم مجرد صورة تُقدَّم لإثبات احترام المناصفة أمام الرأي العام والمنتظم الدولي؟من المحزن أن نلاحظ، إلى اليوم، غياباً أو حضوراً ضعيفاً للنساء في بعض الحوارات السياسية والإعلامية الكبرى، وفي النقاشات المتعلقة بالقضايا الوطنية والانتخابات والتشريع والقانون والاقتصاد.وكأن المرأة لا تمتلك رأياً في قضايا الوطن.والحال أن الجامعات المغربية، والكليات، ومؤسسات البحث، والإدارات، وهيئات المحامين، ولجان البرلمان، ومختلف مواقع المسؤولية، تزخر بكفاءات نسائية مشهود لها بالقدرة والمعرفة والتجربة.فلماذا يضيق المجال السياسي كلما اقتربنا من مواقع القرار؟القبيلة والمحسوبية والقرابة أعداء الكفاءة:أكثر ما أصابني بالخيبة هو اكتشافي أن الكفاءة والمؤهلات لا تكون دائماً المعيار الحاسم في اختيار من يتولى المسؤولية.أحياناً يتقدم منطق القبيلة.وطبعا منطق الحليلة …وأحياناً تحسم القرابة.وأحياناً تتدخل المحسوبية والزبونية.وأحياناً يصبح المطلوب هو احترام توازنات النفوذ، حتى ولو كان الثمن هو إبعاد المرأة الأكثر كفاءة عن المكان الذي تستحقه.فتصبح المناصفة، في بعض الحالات، مجرد عملية حسابية.المطلوب هو توفير عدد من النساء داخل اللوائح، لا اختيار النساء القادرات على صناعة الفرق.وإذا أحرجت النصوص بعض التنظيمات السياسية بفرض حضور النساء، فقد يكون الحل الأسهل هو البحث داخل دائرة الأقارب والموالين، حتى يتحقق الشرط العددي وينتهي الأمر.وهنا تصبح المرأة ضحية مزدوجة:ضحية مجتمع لم يتحرر بالكامل من ثقافة الوصاية الذكورية، وضحية أحزاب لم تستطع، رغم شعاراتها، أن تجعل من الديمقراطية الداخلية والكفاءة قاعدة حقيقية للاختيار.المناصفة ليست امتيازاًإن المناصفة لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز ممنوح، ولا إلى صدقة سياسية، ولا إلى مجرد رقم يزين التقارير والمؤشرات.المناصفة هي، قبل كل شيء، اعتراف بأن نصف المجتمع لا يمكن أن يبقى على هامش صناعة القرار.وهي لا تتناقض مع الكفاءة.بل إن المعركة الحقيقية ليست بين المناصفة والكفاءة، كما يحاول البعض أن يوحي، وإنما ضد كل منظومة تُقصي الكفاءات، نساءً ورجالاً، لصالح القرابة والولاء والنفوذ.إن المغرب يتسع لجميع المغربيات والمغاربة.ولا ينبغي أن يكون معيار الوصول إلى المسؤولية هو القبيلة أو النسب أو العلاقات أو القدرة على صناعة الولاءات.المعيار الحقيقي يجب أن يكون:خدمة الوطن، والكفاءة، والنزاهة، والتجربة، والقدرة على الإبداع وتحمل المسؤولية.فالدستور لا يجعل من المساواة مجرد شعار، بل يضع على عاتق السلطات العمومية واجب العمل على تحقيق المساواة الفعلية وتوسيع مشاركة المواطنات والمواطنين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تكون مدارس للديمقراطية، لا فضاءات لإعادة إنتاج نفس البنيات التقليدية التي نزعم أننا نريد تجاوزها.بعد عشر سنوات… ما الذي تغير؟عندما أعود اليوم إلى هذا المقال الذي كتبته سنة 2016، أكتشف أن بعض الأمور تغيرت، وأن مكاسب تحققت، وأن حضور المرأة أصبح أقوى في عدد من المجالات.لكنني أكتشف أيضاً أن السؤال المركزي ما يزال قائماً:هل تغيرت العقليات بالقدر الذي تغيرت به النصوص؟وهل اقتنعت الأحزاب السياسية فعلاً بأن المرأة ليست مجرد خزان انتخابي، ولا رقماً لاستكمال اللوائح، ولا واجهة للتسويق السياسي؟إن تمكين المرأة الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال داخل الأحزاب:من هو الشخص الأكفأ؟لا:من ابن من؟ ومن قريب من؟ ومن وراءه؟عندها فقط يمكن أن نضع، بحق، المرأة المناسبة في المكان المناسب، والرجل المناسب في المكان المناسب.لأن الوطن لا يحتاج إلى مناصفة شكلية، بقدر ما يحتاج إلى عدالة في الاختيار.وفي انتظار أن تتحول المناصفة الدستورية إلى واقع ملموس، وأن تحترم الأحزاب كفاءاتها النسائية، وأن تصبح الديمقراطية الداخلية ممارسة لا شعاراً، أليس قد حان الوقت لأن نكف عن ربط تمكين المرأة بمنطق القبيلة والقرابة والمحسوبية؟أليس قد حان الوقت لأن نتحرر من ثقافة تجعل المرأة مؤهلة للواجهة، لكنها غير مؤهلة دائماً، في نظر البعض، لقيادة القرار؟إن الاعتراف بالنقائص ليس ضعفاً.بل هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح.فلنعترف بأخطائنا.ولنضع الكفاءة فوق الولاء.والوطن فوق الحسابات الضيقة.ولنناضل، نساءً ورجالاً، من أجل مغرب تكون فيه المناصفة واقعاً حقيقياً، لا مجرد شعار.فالمطلوب ليس أن نملأ المقاعد بالنساء، وإنما أن نفتح الأبواب أمام الكفاءات.وذلك هو الطريق الحقيقي نحو مغرب يتسع لجميع أبنائه وبناته وحتى الكائنين في الجهات البعيدة عن المركز والتي قد يسميها بعض المتعجرفين .
■ سليمة فراجي: محامية ونائبة برلمانية سابقة2016

المناصفة بمنطق القبيلة والحليلة والخليلة
الرسالة موقع إخباري متنوع