قراءة في الفصل 610 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية

يشكل قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 محطة تشريعية مهمة في تحديث قواعد التقاضي، لاسيما في جانب التبليغ القضائي الذي ظل لسنوات طويلة أحد أبرز أسباب بطء المساطر وتعثرها، ومن بين المقتضيات التي تستوقف الباحث والممارس على حد سواء، الفصل 610 الذي سيدخل حيز التنفيذ بتاريخ 24 غشت 2026، والذي جاء فيه:”يعتمد العنوان المنصوص عليه في البطاقة الوطنية للنتعريف الالكترونية في جميع الاجراءات القضائية، كلما تعذر انجاز التبليغ او الاجراء المطلوب في العنوان المدلى به، ويعتبر التبليغ صحيحا ومنتجا لاثاره الاقانونية.”تكشف القراءة الأولية لهذا المقتضى أن المشرع اتجه إلى إضفاء حجية قانونية على العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، وذلك كلما تعذر إجراء التبليغ في العنوان الذي تم تضمينه في الطلب، ويبدو أن هذا الاختيار التشريعي يرمي إلى الحد من الإشكالات العملية التي طالما صاحبت إجراءات التبليغ، والتي كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل البت في القضايا وإطالة أمد التقاضي.ويستفاد من هذا النص، بصورة ضمنية، أن المشرع يدعو كل شخص إلى الحرص على تحيين بياناته الشخصية، وعلى رأسها عنوانه المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، باعتبار أن إهمال ذلك قد تترتب عنه آثار قانونية مهمة عند مباشرة إجراءات التبليغ القضائي.وعليه، فإذا أقيمت دعوى في مواجهة شخص، وتعذر تبليغه في العنوان الوارد بالمقال الافتتاحي أو بأي عنوان صرح به، فإن المسطرة تنتقل إلى الاعتماد على العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ويعتبر التبليغ المنجز وفق هذا المقتضى صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية وفق الشروط التي حددها القانون.ولم يأت هذا المستجد من فراغ، بل استجابة لإشكال عملي عانت منه المحاكم والمتقاضون على امتداد سنوات، حيث كانت العديد من إجراءات التبليغ تنتهي بمرجوعات من قبيل: “العنوان غير صحيح”، أو “تعذر العثور على المعني بالأمر”، أو “انتقل إلى عنوان آخر”…، وهو ما كان يؤدي إلى تأخير البت في الملفات لأشهر، بل أحيانا لسنوات فقط في المرحلة الابتدائية.وفي ظل القانون السابق، كان تعذر التبليغ يدفع المحكمة إلى اللجوء إلى وسائل أخرى، كالتبليغ بواسطة البريد المضمون أو تعيين قيم في الحالات التي يجيزها القانون، ومع ذلك، لم تكن هذه الوسائل دائما كافية لتجاوز صعوبات التبليغ، مما كان ينعكس سلبا على السير العادي للدعوى، ويثقل كاهل المتقاضين بمصاريف إضافية، فضلا عن مساهمته في هدر الزمن القضائي وتعطيل الوصول إلى الحقوق.ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الفصل 610 يهدف إلى تعزيز فعالية التبليغ القضائي والحد من المناورات المرتبطة بالعناوين، بما يحقق قدرا أكبر من الأمن القانوني واستقرار المعاملات الإجرائية، كما يبدو أن المشرع سعى إلى إضفاء قيمة أكبر للعنوان الرسمي المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، باعتباره مرجعا يمكن الاعتماد عليه عند تعذر التبليغ في العنوان المصرح به.غير أن هذا المقتضى، على أهميته، يثير بدوره عددا من التساؤلات القانونية التي سيكشف التطبيق القضائي عن ملامح الإجابة عنها، من قبيل: ماذا لو كان المعني بالأمر مقيما خارج أرض الوطن؟ وماذا لو كانت بيانات البطاقة الوطنية تضمنت خطأً ماديا؟ وهل يكفي اعتبار التبليغ صحيحا لتحقيق التوازن بين فعالية المسطرة وضمان حق الدفاع؟إن الفصل 610 يعكس إرادة تشريعية واضحة لتجاوز إحدى أبرز العقبات التي كانت تواجه المسطرة المدنية، غير أن نجاح هذا الاختيار سيظل رهينا بما سيستقر عليه الاجتهاد القضائي في تفسيره وتطبيقه، وبمدى تحقيقه للتوازن بين تسريع إجراءات التقاضي وصيانة الضمانات الأساسية للمتقاضين.

■ ذة. سعاد المولوع

شاهد أيضاً

في الماضي كانت السينما تُضيء المدينة

مرور السنوات يعيد إلى الذاكرة صفحاتٍ منسية من تاريخ القاعات السينمائية بمدينة وجدة، تلك الفضاءات …

الاحتماء بالملك من محيط الملك ..

كما يظهر من نص المنشور، فلم أذكر اسما ولا زمانا ولا مكانا. ومع ذلك، فقد …

اترك تعليقاً