بين الشفافية والشيطنة اين الحقيقة؟

المحامون لا يرفضون الرقابة بل يدافعون عن استقلال العدالةمع دراسة مقارنة بخصوص حسابات الودائع في بعض الدول أصبح جزء من الرأي العام يعتقد، بفعل الخطاب المتداول، أن المحامين يعارضون الرقابة لأنهم يريدون الإفلات من المحاسبة أو الاستيلاء على أموال المتقاضين.وهذا تصور غير صحيح.فلا أحد فوق القانون، والمحامي قبل غيره يخضع للمساءلة التأديبية والجنائية والمدنية كلما ارتكب مخالفة. وإذا ثبت أن أحد المحامين خان الأمانة، فإنه يتحمل مسؤوليته كاملة، شأنه شأن أي موظف أو مسؤول أو مهني.لكن السؤال الحقيقي ليس:هل تكون هناك رقابة؟بل هو: من يمارس هذه الرقابة؟ وعلى أي أساس؟ وهل تحترم استقلال مهنة جعلها الدستور إحدى ضمانات المحاكمة العادلة؟إن استقلال المحاماة ليس امتيازًا للمحامين، وإنما ضمانة للمواطن الذي يحتاج إلى مدافع حر لا يخشى أي سلطة أثناء أداء رسالته.وفي جميع الديمقراطيات الراسخة، تتمتع هيئات المحامين باستقلال تنظيمي ومالي، مع وجود آليات للمراقبة والمحاسبة تحترم هذا الاستقلال، لأن استقلال الدفاع جزء من استقلال القضاء نفسه.أما تقديم حالات فردية شاذة وكأنها تمثل عشرات الآلاف من المحامين، فهو ظلم للمهنة ولرجال ونساء يمارسون عملهم بشرف ونزاهة كل يوم.والقاعدة القانونية المستقرة تقول إن الاستثناء لا يصنع قاعدة، والخطأ الفردي لا يبرر المساس بمؤسسة كاملة.كما أن المقارنات الإحصائية يجب أن تكون منصفة. فلا يكفي أن يقال إن عدد الشكايات ضد المحامين أكبر من عددها ضد مهنة أخرى، دون مراعاة أن عدد المحامين يفوق عدد أفراد تلك المهنة بعدة أضعاف، وأن المحامي يتعامل يوميًا مع آلاف المنازعات والصراعات التي بطبيعتها تولد شكايات، سواء كانت مؤسسة أم كيدية.أما حسابات الودائع وصناديق التكافل، فهي ليست أموالًا شخصية للمحامين، ولا هي مال عام بالمعنى التقليدي، بل تخضع لتنظيم خاص يفرضه قانون المهنة، وترتبط بتسيير مؤسسة مستقلة دستوريًا. وإذا كان تطوير آليات الحكامة والشفافية أمرًا مطلوبًا، فإن ذلك ينبغي أن يتم بما يحترم استقلال المؤسسة، لا بما يحولها إلى جهاز تابع للسلطة التنفيذية أو يفرغ استقلالها من مضمونه.ولا ينبغي أن ننسى أن المحامي المغربي لا يستفيد، تاريخيًا، من كثير من الضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها موظفون ومهنيون آخرون، ولذلك أنشأت المهنة آلياتها التضامنية والتكافلية بتمويل ذاتي، حماية لكرامة المحامي وأسرته.إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعًا عن فئة مهنية، وإنما دفاع عن حق كل مواطن في أن يجد أمامه محاميًا حرًا، لا يخشى إلا ضميره والقانون.فالعدالة القوية لا تقوم بقضاة مستقلين فقط، وإنما تقوم أيضًا بدفاع مستقلوفي هذا الصدد لا بد من اعتماد دراسة مقارنة حول ودائع المحامين والرقابة عليها في بعض الدول من خلال الاطلاع على التجارب المقارنةوالتي مفادها أن المحامي لا يُترك دون رقابة، لكن الرقابة تتم غالبًا داخل بنية مهنية مستقلة، أو بواسطة هيئات مهنية قانونية، لا بطريقة تمس استقلال الدفاع 1-ففي فرنسا نجد CARPA نموذج الرقابة المهنية المستقل اذ لا يتعامل المحامي بحرية مطلقة مع أموال الزبناء. فالأموال تمر عبر مؤسسة تسمى CARPA، وهي صندوق خاص بتسويات المحامين، يوجد تحت مسؤولية هيئات المحامين، ولا يعتبر مؤسسة مالية عادية، بل آلية رقابة ذاتية للمهنة. القانون الفرنسي ينص كذلك على أن أي سحب للأموال لا يتم إلا بعد مراقبة مسبقة من CARPA، ولا يمكن للمحامي اقتطاع أتعابه من أموال الموكل إلا بترخيص كتابي مسبق من هذا الأخير. إذن النموذج الفرنسي لا يقوم على شيطنة المحامي، بل على قاعدة دقيقة:الأموال مراقبة، لكن الرقابة مهنية ومنظمة وتحترم استقلال المحاماة.2. أوروبا: الاستقلال مبدأ جوهري للمحاماةمجلس نقابات وهيئات المحامين بأوروبا CCBE يعتبر استقلال المحامي أحد المبادئ الجوهرية للمهنة، إلى جانب السر المهني، وتفادي تضارب المصالح، وحماية أموال الزبناء. كما تلزم القواعد الأوروبية المحامي بإيداع أموال الزبناء في حساب مستقل، وحفظ الوثائق التي تميز أموال الموكلين عن أمواله الخاصة. وهذا مهم جدًا في النقاش المغربي، لأن المقارنة الدولية لا تقرر : “لا رقابة”، بل تقرر :نعم للرقابة، لا للإخضاع السياسي أو الإداري للمحاماة.3. إسبانيا: الهيئات المهنية تدبر شؤونها الماليةاذ ، تخضع نقابات المحامين لقانون المهنة وأنظمتها الداخلية، وتدير مواردها وصناديقها داخل إطار مؤسساتي مهني. النظام العام للمحاماة الإسبانية يقر بدور الهيئات في تنظيم شؤون المهنة والدفاع عن مصالحها والمساهمة في حسن سير العدالة. وهنا أيضًا، الرقابة لا تعني تحويل هيئة المحامين إلى ملحقة تابعة للسلطة التنفيذية، بل تعني حكامة داخل مؤسسة مستقلة.4. كندا: رقابة صارمة لكن عبر Law Societyفي كندا، حسابات الثقة الخاصة بالمحامين تخضع لرقابة صارمة من طرف Law Society، أي الهيئة المهنية المنظمة للمحامين في كل مقاطعة. وفي أونتاريو مثلًا، توجد مراجعة مستمرة لقواعد تدبير أموال الزبناء وأدوات الامتثال والتنفيذ. وفي بريتيش كولومبيا، يمكن للمدير التنفيذي للهيئة أن يأمر في أي وقت بإجراء تدقيق في دفاتر وحسابات المحامي للتحقق من الامتثال. أي أن الرقابة موجودة، لكنها رقابة مهنية قانونية، لا حملة تشكيك ممنهجة وما نود ان نصرح به للرأي العام ان المحامين لا يدافعون عن الفوضى ولا عن الإفلات من المحاسبة.هم يدافعون عن مبدأ دقيق معمول به في الديمقراطيات:أموال المتقاضين يجب أن تكون محمية، لكن حماية هذه الأموال لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لضرب استقلال المحاماة.والحل ليس في شيطنة آلاف المحامين بسبب حالات فردية، بل في تقوية آليات الحكامة، والتدقيق، والشفافية، داخل مؤسسة مهنية مستقلة.الرقابة نعم، التخوين لا.الشفافية نعم، التبعية لا.حماية المتقاضي نعم، إضعاف الدفاع لا.

■ سليمة فراجي

شاهد أيضاً

أحمديان.. رجل الساعة الذي أبهر العرب أفرزته الحرب.. فماذا تعرف عنه؟ كيف يتابعه الإيرانيون؟

الرجل الذي يطل من شاشة الجزيرة ويبهر العرب الدكتور حسن أحمديان. كلما أطل في “نقاش …

لماذا هذا التوجس من فئة النقباء السابقين؟

وباي حق نمنع النقباء من الترشح ؟ وكيف يعقل ان نجرد المهنة من ذاكرتها ؟الا …

اترك تعليقاً