لم تمر العبارة التي أطلقها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، تحت قبة البرلمان، وهو يرد على بلاغ مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مرور الكرام داخل الجسم المهني.
فقول الوزير: “من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟”، لم يُقرأ فقط كجواب عابر في سياق التصويت على مشروع قانون المحاماة، بل كإشارة سياسية جارحة تجاه مهنة ظلت، عبر تاريخ المغرب الحديث، جزءاً أساسياً من معارك الدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون.
المحامي رشيد أيت بلعربي، المعروف بحضوره في النقاشات القانونية والحقوقية المرتبطة باستقلالية الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، اختار أن يرد على هذا التصريح بتدوينة قوية على صفحته بموقع فيسبوك، لكنه لم يقف عند حدود الرد الشخصي على وزير العدل.
فقد اعتبر أن السؤال الذي طرحه وهبي “لا يستحق أي جواب”، لأن المجتمع المغربي، في نظره، يعرف جيداً من هم المحامون، ويعرف الأدوار التي اضطلعوا بها منذ الاستقلال، كما يعرف رمزية جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي وصفها بأنها أول جمعية مهنية حقوقية تأسست في إطار ظهير 1958.
غير أن أيت بلعربي نقل النقاش إلى مستوى أعمق، حين طرح السؤال الذي اعتبره جوهرياً في هذه اللحظة: “من يستهدف المحاماة؟”.
فهذا السؤال، في تقديره، هو الذي ينبغي أن يُطرح أمام الرأي العام الوطني والمهني بشجاعة، بعيداً عن تحويل النقاش إلى سجال لفظي مع وزير العدل.
وبلغة حادة، رأى أيت بلعربي أن ما يجري لا يمكن اختزاله في مجرد اندفاع شخصي من عبد اللطيف وهبي، أو في تصريحات محكومة بما سماه “هواجس نفسية”، بل إن تكرار هذه الخرجات، واستعمال عبارات لا تليق، في تقديره، بعضو في الحكومة تجاه مهنة منظمة، يؤشر على وجود إرادة أوسع تستهدف المحاماة وموقعها داخل منظومة العدالة.
وذهب المحامي أبعد من ذلك، حين اعتبر أن وهبي ليس سوى منفذ لسياسة أكبر، غايتها، بحسب تعبيره، “كسر شوكة المحامين” والتضييق عليهم في أداء أدوارهم المرتبطة بالدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون وهي قراءة تجعل من مشروع قانون المحاماة، في نظره، حلقة ضمن مسار سياسي وتشريعي أوسع، لا مجرد نص مهني معزول.
ولم يفصل أيت بلعربي هذا النقاش عن السياق التشريعي العام الذي طبع الولاية الحكومية الحالية، واصفاً إياه بـ“الإسهال التشريعي غير المسبوق”.
واعتبر أن هذا المسار بدأ، حسب رأيه، بسحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، ومر عبر قانون المسطرة المدنية الذي رأى أنه جعل الحق في اللجوء إلى القضاء خاضعاً لمنطق طبقي، قبل أن يصل إلى قانون المسطرة الجنائية الذي اعتبر أنه منح حماية خاصة لمختلسي المال العام، وشدد القبضة على حقوق وحريات المواطنين.
بهذا المعنى، لا يقدم أيت بلعربي أزمة مشروع قانون المحاماة باعتبارها خلافاً مهنياً بين وزارة العدل والمحامين فقط، بل باعتبارها جزءاً من سؤال أكبر يتعلق باتجاه التشريع في المغرب، وبحدود الضمانات الدستورية، وبموقع العدالة في حماية المواطن، لا في تضييق مساحات الدفاع عنه.
والأخطر في تدوينة أيت بلعربي أنها لا تحصر الضرر المحتمل في المحامين وحدهم.
فهو يؤكد أن من سيؤدي ثمن هذا المسار ليس الجسم المهني فقط، بل المجتمع بكل فئاته، لأن المساس باستقلال المحاماة وحصانة الدفاع لا يعني إضعاف مهنة بعينها، بل إضعاف أحد الحواجز التي يلجأ إليها المواطن حين يجد نفسه في مواجهة الإدارة أو السلطة أو النفوذ أو المال.
لذلك، تبدو عبارة وهبي، كما قرأها أيت بلعربي، أكثر من مجرد زلة لسان أو رد انفعالي.
إنها، في نظره، عنوان لطريقة في النظر إلى المحاماة: ليس كشريك في العدالة، بل كجسم مهني مزعج ينبغي تطويقه.
ومن هنا تأتي خطورة السؤال المضاد الذي طرحه المحامي: ليس “من أنتم؟”، بل “من يستهدف المحاماة؟”.
وفي انتظار ما ستؤول إليه المواجهة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، يبقى المؤكد أن النقاش تجاوز حدود مواد قانونية قابلة للتعديل، وتحول إلى معركة حول معنى الدفاع، وحدود السلطة، ومكانة المحامي داخل دولة يفترض أن يكون فيها الحق في المحاكمة العادلة ضمانة للمواطن قبل أن يكون مطلباً مهنياً للمحامين.
وكما ختم أيت بلعربي تدوينته: “إن من سيعاني بعد هذا الإسهال التشريعي المرعب ليس هم المحامون فقط، بل كل فئات المجتمع، وإن غداً لناظره قريب”.

الرسالة موقع إخباري متنوع