جورج حبش: ثوروا.. فلن تخسروا سوى القيد والخيمة.

لم يكن جورج حبش ابناً للفقر، بل وُلد في اللد عام 1926لعائلة مسيحية أرثوذكسية ثرية. كان شاباً عبقرياً تخرج طبيباً من الجامعة الأمريكية في بيروت متفوقاً على دفعته.في نكبة 1948، طُردت عائلته وسار مع آلاف اللاجئين مشياً على الأقدام، وشاهد بأم عينيه كيف يموت الأطفال من العطش والمرض على جنبات الطرق. في تلك اللحظة، خلع معطف الطب الذي يداوي الأفراد، وأقسم أن يصبح طبيباً يداوي “جرح الوطن”. قال جملته الشهيرة:”ما فائدة أن أداوي جسد طفل مريض، بينما موطنه كله ينزف؟”.أسس جورج حبش “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وصاغ مفهوماً راديكالياً للثورة صدم العالم؛ لم يكن يؤمن بالحدود الجغرافية، بل رأى أن الصراع مع المحتل ممتد في كل مكان على أرض الوطن الكبير.في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، نفذت الجبهة بقيادته وبإشراف مهندس العمليات “وديع حداد” عمليات هزت المنظومة الدولية، وأبرزها “عملية دير ياسين” وتفجير الطائرات في قاع الأردن (مطارات الثورة) عام 1970.أجبر الحكيم العالم بأسره على الالتفات للقضية الفلسطينية بعد عقود من التهميش. كان يرى أن كسر حاجز الخوف والأمن لدى العدو هو الخطوة الأولى للتحرر، متبنياً شعار: *”وراء العدو في كل مكان”.كان صامد حتى النفس الأخير.. بلا مساومةأكثر ما يجسد “الأسطورة” في شخصية جورج حبش هو عِندُه الفكري الذي لم يلن. تعرض لعشرات محاولات الاغتيال من الموساد، اختُطفت طائرات من أجله، حوصر في بيروت عام 1982، وعاش مطارداً طوال حياته بجسد أنهكه المرض والجلطات الدماغية.عاش طوال حياته منفياً سوريا، لبنان، الأردن، ورفض العودة إلى فلسطين تحت الاحتلال. كان يُثنى عليه حتى من خصومه بأنه مناضل نزيه وغير فاسد.ورغم الخسائر المرعبة التي تلقتها الثورة، وسقوط رفاق دربه واحداً تلو الآخر (مثل غسان كنفاني وجيفارا غزة)، ورغم توقيع “اتفاقيات أوسلو” التي رآها الكثيرون نهاية المطاف، رفض الحكيم أن يسلّم أو يوقع أو يستسلم. تنحى عن القيادة عام 2000 في سابقة تاريخية بين القادة العرب، ليعطي مكانه للجيل الشاب، وظل حتى أنفاسه الأخيرة رافضاً للتنازل عن شبر واحد من الأرض.

توفي جورج حبش في عمان عام 2008 إثر نوبة قلبية،وطلب أن يكتب على شاهد قبره:

“لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السائرين فيه” .

مات دون أن يرى اللد أو يافا مجدداً بجسده، لكن الحق انتصر في فلسفته؛ حيث تحول “الحكيم” إلى مدرسة يُقاس بها “النقاء الثوري”.لم يترك وراءه قصوراً ولا أموالاً، بل ترك إرثاً فكرياً يتداوله الأحرار في كل بقاع الأرض. رحل وبقيت كلمته كقانون وجودي لكل باحث عن الحرية:”إن الثورة تُولد من رحم المعاناة.. وستستمر حتى نقتلع الظلم من جذوره”للأسف، كثير من الأجيال الجديدة لا تعرف شيئاً عن هذا الرجل، ولا عن تاريخ النضال الفلسطيني الذي هز أركان الاحتلال، وأعلن بكل صلابة: ليس لكم مكان على أرضنا.

شاهد أيضاً

متلازمات الفساد

📙 هذا الكتاب هو النسخة العربية من مؤلف عالم السياسة مايكل جونستون (Michael Johnston)، والذي …

الحنجرة الذهبية الساب انيس الوجدي ابهرنا وابهر الجمهور بهذه الأغنية للمرحوم الشاب حسني وجديد اوكسترا الشاب انيس

اترك تعليقاً