لو كانت السياسة تقاس بعدد الكراسي الممتلئة، لكان حزب التقدم والاشتراكية قد أعلن من جماعة سيدي امحمد أومرزوق، بإقليم الصويرة، عودة اليسار من الموت السريري، ولخرج الرفيق نبيل بنعبد الله مزهوا وهو يردد، “ما زلنا هنا”… لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة وكوميدية في الآن ذاته.فالقاعة كانت مليئة، نعم.. لكنها كانت تشبه حافلة متجهة إلى موسم شعبي أكثر مما تشبه مجلسا إقليميا لحزب يناقش مستقبل البلاد.كان هناك رجال ونساء وشباب وشيوخ، لكن السؤال الذي كان يطارد المكان هو، كم واحدا منهم جاء ليسمع نبيل بنعبد الله؟ وكم واحدا منهم يعرف أصلا من يكون نبيل بنعبد الله؟ بل كم واحدا منهم يستطيع أن يميز بين حزب التقدم والاشتراكية وبين مكتبة لبيع الكتب؟لا أحد كان منشغلا باليسار ولا بالاشتراكية ولا بالنضال ولا بالعدالة الاجتماعية، ولا حتى بما إذا كان الحزب ما يزال حيا أم أنه مجرد ذكرى من زمن أبيض وأسود !.الذي كان يشغل الجميع سؤال واحد لا غير “شحال بقا الغدا.. وإمتى غادي يطلع أحوزار؟”صعد الرفيق نبيل بنعبد الله إلى المنصة محاولا أن ينعش خطابا سياسيا أنهكته السنوات، فألقى كلمات عن الأوضاع والإصلاح والسياسات العمومية، وربما عن الانتخابات أيضا.. كلمات كانت تخرج من الميكروفون لتتبخر في الهواء، لأن العقول كانت في مكان آخر، والبطون كانت تتضور للجوع، والآذان كانت تنتظر صوت “الكمنجة”، لا صوت السياسة.كان الرجل يتحدث… والناس تنتظر نهاية حديثه كما ينتظر المسافر إعلان وصول القطار، وحين انتهى، لم يصفقوا للفكرة… بل صفقوا لانتهاء الفقرة المملة.ثم حدثت المعجزة.نزل الرفيق… وصعد أحوزار، في ثوان فقط، فعل أحوزار ما عجز عنه حزب التقدم والاشتراكية طوال سنوات، وحد الحضور، وأعاد الحياة إلى الوجوه، وأخرج الهواتف، وأشعل الزغاريد، وجعل الجميع يتذكر سبب حضوره الحقيقي.فالشيخات قدمن خطابا سياسيا أقوى من كل خطابات بنبعد الله ومرشحه بإقليم الصويرة، ولكن بلغة يفهمها الناس… لم يتحدثن عن العدالة الاجتماعية، لكنهن حققن العدالة في توزيع الفرجة، ولم يرفعن شعارات، لكنهن رفعن حرارة القاعة إلى مستوى لم يبلغه خطاب الأمين العام…هناك فقط، أدرك الجميع أن اليسار خسر المعركة أمام “الشيخات”..بل إن أحوزار، دون أن يقصد، حصل على أكبر تزكية سياسية في اليوم كله، لأنه الوحيد الذي استطاع أن يجعل الناس ينصتون إليه حتى النهاية، بينما كانت كلمات الرفيق نبيل تمر مرور الكرام، كإعلانات ما قبل الفيلم.المشهد كان مؤلما… لكنه صادق.ففي زمن أصبحت فيه الأحزاب تستورد الجماهير بالحافلات، وتستعيرها بالولائم، وتحتفظ بها بالسهرات، لم يعد عدد الحاضرين دليلا على الشعبية، بل صار أحيانا دليلا على جودة “الدجاج المحمر” وقوة البرنامج الفني.أما السياسة، فقد أصبحت مجرد استراحة قصيرة بين طبق الغذاء وفقرة أحوزار.ولو أُجري استطلاع سريع عند باب الخروج، وسئل الحاضرون، “ما الذي قاله نبيل بنعبد الله؟” لربما ساد الصمت، لكن لو سئلوا، “أشنو غنى أحوزار؟” لانطلقت الإجابات والزغاريد معا.هكذا، في سيدي امحمد أومرزوق، لم يكن المنتصر حزب “الكتاب”، ولم يكن بطل اليوم الرفيق الأمين العام… كان البطل رجلا يحمل الميكروفون بطريقة مختلفة، ويعرف جيدا أن الناس لم تعد ترقص على إيقاع الشعارات… بل على إيقاع “الكمنجة”، خصوصا حينما تصاحب “الجرة” رقصات لشيخات يزرعن “الأمل” في نفوس الحاضرين…

الرسالة موقع إخباري متنوع