مدينة أخرى غيرها كانت ستكون قد لبست رداء الخوف… وانكفأت! فالحرب ليست لعبة… وهاهي تطرق أبواها بكل قوة! لكنها طهران! لا تكاد تبدي جزعا لحوادث الايام… تتصرف كما يليق بمدينةٍ عمرها ألف عام…زحمة الشوارع كما هي…المطاعم ممتلئة…والحدائق العامة تتنفس ربيعًا… كأنها لا تصدّق نشرات الأخبار، أو ربما… لم تعد تكترث لها! أتذكر مقولة شهيرة غير معلوم قائلها “الأمم التي عاشت طويلًا… لا تخاف النهاية بسهولة”أراقب عامل نظافة في شارع قبصر أمين بور … لا يترك ورقة شجرة ولا عقب سيجارة… أتأمل هذا الإخلاص الصامت…وأسأل صديقي نور الدين:عجيب! كيف هذا الحرص على التفاصيل، والحرب قد تقوم في كل لحظة؟يرد: حتى في أيام الحرب كان هذا الرجل وغيره يواصلون تنظيف الشوارع، دون أن يعرفوا أين ستسقط الصاروخ التالي. في بعض المدن، الالتزام شكل من أشكال المقاومة! ****في مقهى وسط المدينة… ألتقي فرهاد.تعرفت عليه في زيارة سابقة… كان يومها ناقما على الوضع الاقتصادي.اليوم… يتحدث بلغة مختلفة.يقول:هذه حرب على إيران… لا على النظام.أتفاجأ كيف تحولت نقمته دعما! يضيف: ذلك الدجال لن ينال منا. ولعلكم تعرفون من يقصد.***في المساء، تمتلئ الساحات! أعلام وهتافات ضد “الشيطان الأكبر” … بينما تصدح مكبرات الصوت موسيقى مشبعة بعبق تاريخ طويل.هناك، ألتقي فرهاد مجددًا…يحمل العلم… ويهتف مع الآخرين:“هيهات منا الذلة”… بالفارسية… وأحيانًا بالعربية.يقول لي ببلاغة :الوطن في زمن الحرب… فكرة أكبر من السياسة! ****صدى هذه الشعارات يتردد في موقف الوفد المفاوض! في اللحظة التي قرر فيها ترامب إرسال وفده المفاوض إلى إسلام آباد..كان الرد الإيراني: من قال لك إننا سنأتي؟ لم نقرر بعد! نعيش ليلة نتوقع فيها “سقوط القنابل من جديد” كما توعد ترامب!لكنه يعود ويعلن تمديد الهدنة..هذه المرة إلى أجل غير مسمى! وطهران… لا تفوّت فرصة السخرية:“لم نطلب تمديدها أصلاً.”في بعض الصراعات… اللغة نفسها ساحة معركة!قد يبدو الأمر مجرد تفصيل! لكن ليس في طهران…عندما يقول ترامب “لقد سلموا بكل شيء” يكون قد حكم على المفاوضات بالفشل! مشكل حكام أمريكا الجدد أنهم لم يقرأوا “الشاهنامة” لأبي القاسم فردوسي! ربما لم يقرأوا شيئا غير ارقام المعاملات والبورصة! ****في الشارع… صورة خامنئي مرفقة بعبارة:“آجرك الله يا صاحب الزمان”.اغتيل في بيته في الدقيقة الأولى للحرب! ما من أحد في طهران إلا ويعرف “بيت المرشد”! أسأل مسؤولًا سابقًا:كيف حدث ذلك؟ لماذا لم يغير مكانه؟ لا يملك جوابًا قاطعًا…يصمت قليلا، ويقول : كان عمره 86 عاما… وقد اختار موتته.. كان يبحث عن الشهادة! ****هذا المساء أجلس مقهى مع مجموعة أصدقاء! الهدنة قد تنتهي في كل لحظة… والأوضاع لا تبشر باتفاق قريب! المفارقة… لا شيء هنا يوحي بأن “القنابل قد تسقط مجددا” كما توعد ترامب! المقهى ممتلئ عن اخره… وخلافا لكل الصور النمطية… لاشيء هنا يختلف عن أي مطعم في أي عاصمة أخرى!!! للأسف هذه مدينة مظلومة… لا حياة لها في ذاكرة الناس خارج نشرات الاخبار! لكنها في الحقيقة… أكثر تعقيدا… وأكثر إنسانية!
■ محمد البقالي

الرسالة موقع إخباري متنوع