أعاد إلي بطاقتي الوطنية بعد أن أخذ بصماتي للمرة الثانية، كما لو أنّ الهوية تحتاج دائمًا إلى تأكيد إضافي. تنحنح، ثم سألني بنبرة أقرب إلى الفضول منها إلى السلطة:— أنتِ صحافية؟ يقولون إن مهنتكم مهنة المتاعب… هل هذا صحيح؟ابتسمت وصمت قليلًا، لا لأن السؤال صعب، بل لأن الإجابة في هذا البلد لا تقال دفعة واحدة. ثم سألته:— ما رأيك أنت؟قال:— إحدى قريباتي نجحت في الباكالوريا بميزة حسن جدًا، وتدرس الصحافة الآن. سألوني عن هذه المهنة، فلم أجد جوابًا. فقلت أسألك.عرفت حينها أنه لا يستجوبني، بل يحاول أن يفهم. ومع ذلك، ظل الحذر جالسًا بيننا.قلت:— في هذه المهنة، لدينا منابر تنقل الأخبار . ولدينا منابر تتغذّى على الحياة الخاصة للناس وتشهر بهم وتقتلهم رمزيا بدون حسيب ولا رقيب. ولدينا منابر تُستخدم لتصفية الحسابات ولدينا أخرى تدافع عن مصالح الباطرونا. لدينا كل شيء… إلا الصحافة.ابتسم وقال:— وأنتِ؟ لأيّ صنف تنتمين؟قلت بهدوء:— أنا أنقل الحلم… وأنقل الهمّ.ضحك قليلًا:— تمزحين؟قلت:— هل ستصدّقني إن قلت لك إنني تعبت من نقل المآسي؟ أنام كل ليلة وأنا أرتّب الأسئلة، وأصحو وأنا أتهيّأ لجرح جديد. الغد هنا لا يحمل أخبارًا، بل احتمالات أعمق للألم.— أيّ جرح تقصدين؟ أنتِ صحافية!قلت:— لأنني صحافية، صرتُ أحمل جراح هذا البلد. كلّما ظننت أنها التأمت، وقع حدث جديد أعاد فتحها. في هذه البلاد، الصحافة ليست مهنة ، بل تهمة.توقّف قليلًا، ثم سأل:— إذن… هل هي مهنة متاعب أم لا؟قلت:— الصحافة مهنة الجراح، لا مهنة المتاعب. ومن تملك حسًّا إنسانيًا وضميرًا حيًا، أنصحها ألا تدخلها هنا. لتذهب إلى التواصل، إو تغير مجال دراستها، فلا صحافة في بلد لا يحتمل الحقيقة.قلت ذلك وغادرت قبل أن يعلّق.كنت أعلم أن كلامي سيبدو له فلسفة زائدة، أو تشاؤمًا لا مبرر له.حين ابتعدت، فكرت في سؤاله الأول: هل الصحافة مهنة متاعب؟لم أعد أملك رغبة في الإجابة. ففي هذا البلد، لا تقاس الصحافة بالتعب، بل بالكلفة. كلفة أن ترى أكثر مما يُسمح لك، وأن تسمّي الأشياء بأسمائها، وأن تدفع ثمن ذلك وحدك.الصحافة لم تكن يومًا مهنة متاعب فقط، بل مهنة جراح. جراح لا تُرى، لكنها تتراكم في الذاكرة، وفي الجسد، وفي الصمت. وحين يقمع الصحافي، لا يعاقب لوحده، بل يُعاقَب حقّ الناس في أن يعرفوا، وأن يسألوا، وأن يحلموا ببلد لا يخاف من الحقيقة.
الرباط، يناير 2019
■ هاجر الريسوني

الرسالة موقع إخباري متنوع