عندما تطالع الأرقام الرسمية الصادرة عن القطاعات الحكومية، والمدونة في صدر صفحات الصحف الوطنية، يُخيل إليك أنك أمام إقليم يترنح في نعم التنمية الشاملة. 12.3 مليار درهم هو حجم الاستثمارات العمومية التي أُعلن عن ضخها في إقليم جرادة خلال فترة زمنية محددة، وهو رقم ضخم كفيل بتحويل أعتى المناطق هامشية إلى أقطاب اقتصادية واعدة. لكن، بمجرد أن تطأ قدمك أرض الواقع، تنجلي السكرة وتأتي الفكرة: شباب يطارد الرزق في أنفاق الموت، وهشاشة اجتماعية متجذرة، واقتصاد محلي مشلول يتنفس الاصطناعي.هذا التناقض الصارخ بين اغة الأرقام البرّاقة و واقع العيش المُر يدفعنا لرحلة بحث جادة ومسؤولة عن مكامن الخلل تحديداً: كيف تتحول المليارات إلى مجرد سراب لا يغير من واقع المواطن شيئاً؟أولاً: أين يكمن الخلل؟الخلل ليس في قلة الميزانيات أو غياب الاعتمادات المالية، بل ينبع من ثلاثة اختلالات هيكلية في فلسفة التخطيط والتنفيذ:استثمارات كثيفة الماليّة.. ضعيفة التشغيلية:حينما نُحلل تفاصيل الـ 12.3 مليار درهم، نجد أن الكتلة الناخبة الأكبر منها وُجّهت لقطاع الطاقة وإنشاء المحطات الحرارية. هي بلا شك مشاريع استراتيجية للوطن، لكنها استثمارات رأسمالية صامتة تستهلك المليارات ولا تخلق سوى فرص شغل محدودة جداً لا تتعدى بضع مئات. لقد جرى اختزال التنمية في منشآت كونكريتية تُخدّم الشبكة الوطنية، بدلاً من إقامة نسيج اقتصادي مُدرّ للدخل يستوعب مئات العمال المعطلين بعد إغلاق مفاحم جرادة.سياسة إطفاء الحرائق بديل الاستدامة:التعاطي الحكومي مع الإقليم ظلّ محكوماً بـ المقاربة التسكينية. رُصدت المليارات للتعويضات المالية، وتصفية الديون، والتفويت السكني، وتسوية ملفات الأمراض المهنية. وهي وإن كانت حقوقاً مشروعة للعمال، إلا أنها حُلول للاستهلاك والامتصاص وقت الأزمات، وليست بدائل اقتصادية تخلق الثروة. لقد عُولجت أعراض المرض الاحتجاجات والغضب الاجتماعي دون استئصال سببه غياب البديل التنموي.غياب الرؤية المدمجة والتنمية بالمظلات:توزعت المشاريع بين بنيات تحتية، ومبادرة تنمية بشرية، وبرامج قطاعية جزرية لا يربط بينها رابط. فكانت النتيجة صفقات للتهيئة والتبليط والترميم، دون أن تُترجم هذه الروتوشات إلى مصانع، أو مناطق لوجستية، أو مشاريع فلاحية تحول جرادة من مدينة تعيش على أرشيف الفحم إلى مدينة منتجة.ثانياً: من المسؤول؟المسؤولية هنا ليست حكراً على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين ثلاث مستويات:1. العقل المركزي والحلول الجاهزة:تتحمل القطاعات الحكومية المركزية الجانب الأكبر من المسؤولية عبر تكريس مقاربة أسكت أصمت وهاك؛ أي إسقاط المخططات والبرامج من المكاتب المكيفة بالعاصمة نحو الهامش، دون إشراك حقيقي وملموس للفاعلين المحليين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات وحاجيات المنطقة الفعلية.2. الحكامة المحلية وغياب الأثر:تتحمل المجالس المنتخبة والجهات الوصية على المستوى الجهوي والمحلي مسؤولية ضعف التخطيط والتدبير. لقد أُهدرت الفرص في مشاريع اسمنتية افتقرت لمعايير النجاعة، وحساب النجاح بحجم الميزانية المصروفة ، لا بحجم أثرها الملموس على الاستقرار الاجتماعي والتشغيل.3. غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم الأثر:المسؤولية المباشرة تقع أيضاً على آليات التتبع والرقابة. تُوقع الاتفاقيات أمام الكاميرات، وتُعلن الأرقام الضخمة في القبة البرلمانية، لكن لا أحد يعود بعد سنوات ليمتلك شجاعة التساؤل: ما الذي تحقق فعلياً من هذه المليارات؟ وكيف انعكست على دخل الفرد ومستوى معيشته؟.خاتمة:إن أزمة إقليم جرادة ليست أزمة غلاف مالي، بل هي أزمة نموذج حكامة. الأرقام والمليارات لا تصنع تنمية إن لم تُترجم إلى فرص عمل قارّة، ومؤسسات صحية وتعليمية لائقة، وبيئة جاذبة للاستثمار الخاص. لقد حان الوقت للانتقال من منطق “استعراض الأرقام والحصائل” إلى منطق “ربط الإنفاق بالأثر التنموي”، حتى لا تظل المليارات تُذكر في التقارير الصحفية بينما يظل المواطن في جرادة يكتوي بنار التهميش.

الرسالة موقع إخباري متنوع