خطورة السدود

تُعدّ السدود من أخطر وأهم المنشآت الهندسية في آنٍ واحد، إذ إن أي خلل في بنيتها قد تكون له آثار بشرية وبيئية واقتصادية جسيمة. لهذا السبب طوّرت الدول ما يُعرف بـ نظام مراقبة سلامة السدود، وهو منظومة متكاملة تجمع بين الهندسة، والجيولوجيا، والهيدرولوجيا، والتقنيات الرقمية، بهدف رصد سلوك السد بشكل دائم والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها.يقوم هذا النظام أولاً على المراقبة الفيزيائية المباشرة للسد، حيث تُزرع داخله وعلى جسمه مجموعة من الحساسات الدقيقة. هذه الحساسات تقيس التشققات، والانزلاقات، والضغط الداخلي، وحركة الخرسانة أو التربة، وحتى الميلان البسيط الذي قد لا يُرى بالعين المجردة. أي تغيّر غير طبيعي في هذه المؤشرات يُسجَّل فوراً ويُقارن بالقيم المرجعية التي حُددت أثناء تصميم السد.إلى جانب ذلك، تلعب المراقبة الهيدرولوجية دوراً محورياً، إذ يتم تتبع منسوب المياه الواردة إلى الخزان، ومعدل التساقطات المطرية، وسرعة الجريان، وضغط المياه على جسم السد. في حالات الأمطار الاستثنائية، تسمح هذه البيانات باتخاذ قرارات سريعة، مثل فتح بوابات التصريف بشكل تدريجي لتفادي الضغط الزائد الذي قد يؤدي إلى تشققات أو انهيارات جزئية.أما من الناحية الجيولوجية، فيُراقَب سلوك الأساسات والتربة المحيطة بالسد. فبعض المخاطر لا تأتي من جسم السد نفسه، بل من تسرب المياه عبر الطبقات الصخرية أو من ضعف التربة أسفله. لذلك تُستعمل أجهزة تقيس التسربات المائية والضغط المسامي داخل التربة، وهو ما يسمح باكتشاف الخطر قبل تحوله إلى مشكلة بنيوية.ومع تطور التكنولوجيا، أصبح نظام المراقبة يعتمد بشكل متزايد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي. تُجمع البيانات لحظياً في مراكز تحكم، حيث تقوم برمجيات تحليل متقدمة بمقارنتها بسيناريوهات سابقة ونماذج رياضية، لتقدير مستوى الخطر وإصدار إنذارات مبكرة عند الحاجة. في بعض الدول، تُربط هذه الأنظمة مباشرة بخطط إجلاء السكان، ما يجعل المراقبة أداة لحماية الأرواح، لا مجرد إجراء تقني.ولا تكتمل سلامة السدود دون المراقبة البشرية الدورية، إذ يقوم مهندسون مختصون بزيارات ميدانية منتظمة لمعاينة الشقوق الظاهرة، وحالة البوابات، والتجهيزات الميكانيكية، والتحقق من تطابق المعطيات الرقمية مع الواقع الميداني. فالتقنية، مهما بلغت دقتها، لا تُغني كلياً عن الخبرة البشرية.في المحصلة، فإن نظام مراقبة سلامة السدود ليس جهازاً واحداً أو إجراءً معزولاً، بل هو منظومة إنذار مبكر متعددة المستويات، هدفها الأساسي الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق. وكلما كان هذا النظام متطوراً ومُداراً بشكل علمي، كلما تحوّل السد من مصدر محتمل للخطر إلى رافعة حقيقية للأمن المائي والتنمية المستدامة.

اترك تعليقاً