حراس السجون بجهة الشرق (وجدة نموذجًا): وجوهٌ في الظل… ومأساة لا تنتهي بالتقاعد

■ بقلم: موسى رشيدي – صحافي مهني محترف

في السجون لا يُسمع إلا صوت الأقفال، لكن خلف الأبواب الثقيلة يقف رجال ونساء نراهم قليلًا ونتذكرهم أقل: حراس وموظفو إدارة السجون. في وجدة، كما في باقي مدن الجهة الشرقية، يبدأ يومهم قبل أن تستيقظ المدينة وينتهي بعد أن تهدأ، بين جولات تفتيش لا تنتهي، ومراقبة دائمة لممرات وزنانين تضج بتوترات لا تُرى من الخارج.المعاناة هنا مركّبة. الحارس يعيش يوميًا على تماس مباشر مع عالم مغلق؛ خلافات تنفجر فجأة بين السجناء، استفزازات متعمدة، مناوشات قد تتحول في ثوانٍ إلى عنف، ومحاولات إدخال ممنوعات لا تتوقف. وفي أحيان ليست نادرة، تقع “انفلاتات” صغيرة أو كبيرة أمام أعين الحراس: اشتباك بين نزلاء، احتجاج جماعي، أو حالة هياج فردية. مطلوب من الحارس أن يتدخل بسرعة، بحزم وبلا تجاوز، أن يفصل ويحمي ويوثق، وأن يخرج بعدها إلى ممر آخر وكأن شيئًا لم يكن. هذا الضغط المتواصل يترك أثره: أرق دائم، توتر عصبي، وآلام ظهر ومفاصل من الوقوف والمشي ساعات طوال.في مؤسسات الشرق، يضاعف البعد الجغرافي العبء. أسرٌ كثيرة للموظفين تقيم بعيدًا، والتنقل إلى وجدة أو بين مدن الجهة يأكل الوقت والجهد. المناوبات الليلية والحراسات في العطل والأعياد تحرم كثيرين من لحظات عائلية بسيطة. ومع اكتظاظ بعض المرافق في فترات معينة، يصبح “اليوم العادي” سلسلة من الاستنفارات الصغيرة التي لا تهدأ.يصعب وصف الشعور الذي يتسلل مع السنوات: إحساس بأنك “سجين من نوع آخر”. زمنك محكوم بجداول الحراسة، وعقلك يبقى مشدودًا حتى خارج الأسوار؛ تتفقد هاتفك خوفًا من استدعاء طارئ، وتعيد في رأسك سيناريوهات ما قد يحدث. كثيرون يصفون الأمر بعبارة واحدة: نحن سجناء مدى الحياة… مع “عفو” مؤجل إلى سن التقاعد. وحين يأتي التقاعد، لا تنتهي المأساة دائمًا؛ تتبدل فقط ملامحها: معاش لا يوازي سنوات الإنهاك، فواتير علاج لأمراض مزمنة تراكمت بصمت (ضغط، سكري، قلق، إصابات عمل)، وشعور بالفراغ بعد عقود من الانضباط الصارم.

ماذا يمكن أن يغيّر الصورة؟

– *تحسين ظروف العمل داخل المؤسسات.

*: رفع نسبة التأطير لتخفيف العبء عن الحارس، وتجهيزات حماية واتصال أنجع، ومسارات حركة تفصل بين الفئات الخطرة وباقي النزلاء.

– *مواكبة نفسية واجتماعية حقيقية.

*: خلايا استماع ودعم نفسي دوري، لا موسمي، مع سرية تحفظ كرامة الموظف.

– *تحفيز مادي ومعنوي.

*: تعويضات منصفة عن الأخطار والليل والأعياد، وتثمين الكفاءات بمسارات ترقية واضحة.- *التفاتة لما بعد الخدمة.

*: تحضير للتقاعد قبل سنوات من موعده (تكوين، مواكبة إدارية)، وتغطية صحية تراعي خصوصية المهنة وتبعاتها.

– *شراكة مع المجتمع المدني والإعلام الجاد.

*: تعريف الرأي العام بطبيعة هذه المهنة الصعبة، وفتح قنوات تواصل رصينة تنقل نبض الموظفين دون تهويل أو تبخيس.حراس السجون ليسوا أرقامًا في جداول الحراسة، هم آباء وأمهات وأبناء هذا الوطن، اختاروا أن يقفوا في المساحة الأصعب بين القانون والفوضى. إنصافهم يبدأ بالاعتراف بثقل ما يحملون، وبالإجراءات العملية التي تجعل يومهم أقل قسوة، وتقاعدهم أكثر كرامة.

شاهد أيضاً

البكاي امباركي على راس هيئة المعمار بغرفة الصناعة التقليدية بجهة الشرق تكليف ينضاف الى المعين ويقين من الادارة على كفاءته.

إشادة بروح المسؤولية لدى المديرة الجهوية لقطاع الشباب بجهة الشرق خلال لقائها بالنقابة الوطنية للشباب والرياضة بوجدة

في خطوة تعكس ترسيخ ثقافة الحوار داخل قطاع الشباب، احتضن مقر المديرية الجهوية بجهة الشرق، …

اترك تعليقاً