إلى المنتظم الدولي – الأمم المتحدة بجمعيتها العامة ومجلس أمنها، وإلى كل المحاكم والهيئات القضائية الدولية، وإلى المنظمات الحقوقية والنقابية في العالم، وإلى كل أحرار العالم:تحل في الثاني من نوفمبر من كل عام ذكرى وعد بلفور المشؤوم، الذي أطلقته الحكومة البريطانية عام 1917، ليشكل واحدة من أبشع صور الاستعمار السياسي والتاريخي، حين أقدمت بريطانيا على منح ما لا تملك لمن لا يستحق، متصرفة في أرض فلسطين وكأنها صاحبة الحق في تقرير مصيرها، ومتجاهلة إرادة شعبها وحقوقه الوطنية والتاريخية.ولم يكن ذلك الوعد مجرد تصريح سياسي عابر في سجلات التاريخ، بل كان بداية لمسار طويل من الظلم والاقتلاع والتهجير، ومهّد لقيام واقع استعماري على أرض فلسطين، أعقبته نكبة عام 1948 وما صاحبها من تشريد الشعب الفلسطيني ومصادرة أراضيه، وصولاً إلى ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم من عدوان واستيطان وتهجير قسري وتدمير ممنهج لمقومات الحياة والوجود الفلسطيني.وإن الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب، وهي تستحضر هذه الذكرى الأليمة، تؤكد أن وعد بلفور المشؤوم لا يمكن أن يكون سنداً للشرعية، وأن القوة لا تنشئ حقاً، وأن مرور الزمن لا يحوّل الباطل إلى حق، ولا يمنح الاحتلال الإسرائيلي مشروعية، ولا ينتقص من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. ففلسطين لم تكن ملكاً للحكومة البريطانية حتى تتصرف في مصيرها، وشعبها لم يكن طرفاً في ذلك الوعد، ولم يفوض أحداً بالتنازل عن أرضه أو تقرير مستقبل وطنه نيابة عنه.وتؤكد الأمانة العامة أن بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية جسيمة عن إصدار وعد بلفور المشؤوم وما ترتب عليه من تداعيات مأساوية أصابت الشعب الفلسطيني، وأن هذه المسؤولية لا يجوز أن تُطوى صفحاتها بمرور السنوات أو أن تتحول إلى واقعة منسية في سجل التاريخ. ومن ثم، تجدد الأمانة العامة مطالبتها للحكومة البريطانية بتحمل مسؤوليتها التاريخية، واتخاذ موقف واضح ينصف الشعب الفلسطيني ويعترف بحجم المأساة التي أسهمت سياساتها في تأسيسها وتكريسها.كما تؤكد الأمانة العامة أن القضية الفلسطينية ليست نزاعاً سياسياً قابلاً للمساومة أو التنازل، وإنما هي قضية شعب له حقوق أصيلة ومشروعة، في مقدمتها حقه في تقرير المصير والحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وهي حقوق لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز الانتقاص منها أو إخضاعها للضغوط والمساومات أو فرض حلول تنتقص من جوهرها.وفي ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما قطاع غزة، من انتهاكات جسيمة واعتداءات طالت المدنيين والمنشآت الطبية والتعليمية والدينية، وما صاحبها من قتل وتهجير وتجويع وتدمير واسع النطاق، تشدد الأمانة العامة على ضرورة إخضاع جميع الأفعال المرتكبة لمعايير القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عنها أمام الجهات القضائية المختصة، دون تمييز أو انتقائية.وفي هذا السياق، تستحضر الأمانة العامة التدابير المؤقتة التي أصدرتْها محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وما أكدته المحكمة من ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحقوق محل الدعوى. كما تؤكد أهمية الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة في 19 يوليو 2024 بشأن عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يرتبه من التزامات على إسرائيل والدول الأخرى. وهي تطورات قضائية دولية تفرض على المنتظم الدولي الانتقال من حدود المواقف والتصريحات إلى التنفيذ الفعلي للالتزامات القانونية.وتطالب الأمانة العامة المؤسسات الدولية المعنية بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والعمل الجاد على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية، ووقف الاستيطان ومصادرة الأراضي وجميع الإجراءات الرامية إلى تغيير طابعها الجغرافي والديموغرافي، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والقرارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.كما تدعو إلى تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة الدولية، والتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، وتنفيذ أوامر القبض الصادرة عنها وفق أحكام نظام روما الأساسي، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الداخلة في اختصاص القضاء الدولي، وضمان عدم إفلات أي مسؤول تثبت إدانته من العقاب، أياً كان موقعه أو منصبه.وتشدد الأمانة العامة على ضرورة وقف العدوان وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية، وتأمين وصولها إلى مستحقيها في جميع أنحاء قطاع غزة، وحماية الطواقم الطبية والإغاثية والصحفيين، ورفض جميع صور العقاب الجماعي والتجويع والتهجير القسري، ومواجهة المخططات التي تستهدف تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها أو فرض واقع ديموغرافيا جديد بالقوة.وتؤكد الأمانة العامة كذلك أن مسؤولية حماية الحقوق الفلسطينية لا تقع على عاتق المؤسسات الدولية وحدها، بل تمتد إلى جميع الدول، التي يتعين عليها احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي، وعدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عن الاحتلال، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمرارها، ومراجعة علاقاتها واتفاقاتها بما يحول دون الإسهام في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.وتجدد الأمانة العامة رفضها القاطع لكل محاولات تهجير الفلسطينيين أو اقتلاعهم من أرضهم، وتؤكد أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وفق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، حق ثابت لا يجوز الالتفاف عليه أو تصفيته تحت أي مسمى أو ترتيبات سياسية أو إنسانية مؤقتة. كما تشدد على ضرورة حماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، والتصدي لمحاولات تغيير وضعها التاريخي والقانوني، وطمس الهوية الفلسطينية أو الاستيلاء على التراث الثقافي والحضاري للشعب الفلسطيني.وانطلاقاً من رسالتها المهنية والقومية، تؤكد الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب أن موقف الاتحاد من القضية الفلسطينية لن يقتصر على الإدانة والتضامن، وإنما سيمتد إلى توظيف جميع الأدوات القانونية والنقابية المتاحة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. وفي هذا الإطار، تدعو إلى تعزيز التنسيق بين نقابات المحامين العربية والهيئات الحقوقية والقانونية الدولية، وتكثيف جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وإعداد الملفات والمذكرات القانونية وفق المعايير القضائية المعتمدة، ومتابعة إجراءات المساءلة أمام المحاكم الدولية والوطنية المختصة، وإعمال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي حيثما توافرت شروطه القانونية.إن استمرار الصمت الدولي أمام ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وتعطيل آليات المساءلة والمحاسبة، والتعامل بازدواجية مع قواعد القانون الدولي، يمثل تهديداً خطيراً لمنظومة العدالة الدولية ومصداقية المؤسسات التي أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين وصون حقوق الإنسان. فالقانون لا يتجزأ، والعدالة لا تعرف الانتقائية، ولا يجوز أن تكون هناك حصانة سياسية تحمي مرتكبي الجرائم من المساءلة أو تعطل إنصاف الضحايا.وإذ تؤكد الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب أن وعد بلفور المشؤوم سيظل وصمة عار في سجل التاريخ الاستعماري، فإنها تجدد عهدها بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال واستعادة حقوقه الوطنية، وتسخير الإمكانات القانونية والمهنية والنقابية للاتحاد ونقابات المحامين العربية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.فلسطين ليست وعداً من أحد، بل حق شعب في أرضه وتاريخه ومستقبله.وعد بلفور المشؤوم لا يصنع شرعية، والاحتلال لا ينشئ حقاً، والحقوق لا تسقط بالتقادم.
النقيب المكاوي بنعيسى.. الأمين العام لاتحاد المحامين العرب




الرسالة موقع إخباري متنوع