في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، كان يمكن للمملكة العربية السعودية أن تختار طريقًا آخر…كان يمكن لها أن تستغل التصعيد، وتفتح دفاتر الماضي الثقيلة مع إيران، دفاتر امتلأت على مدى عقود بالمنافسة الحادة على قيادة الإقليم، وبصراعات النفوذ في اليمن ولبنان والعراق و سوريا وبحروب الوكالة التي وصلت شظاياها إلى العمق السعودي، من هجمات الحوثيين المتكررة، إلى ضرب منشآت أرامكو، إلى محاولات تطويق الدور السعودي في أكثر من ساحة عربية.لكن ما حدث كان العكس تمامًا.في اتصال هاتفي لافت، تلقّى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالًا من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في ذروة تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، ومع الحديث المتزايد عن حشود عسكرية أميركية وإمكانية توجيه ضربات حاسمة لإيران خلال الساعات المقبلة وخلال الاتصال، جاء الموقف السعودي واضحًا، حاسمًا، وغير قابل للتأويل:المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري ضد إيران، ومن أي جهة كانت، وتحت أي ظرف كان.هذا الموقف ليس مجاملة سياسية، ولا مناورة تكتيكية عابرة، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في قراءة الرياض للمشهد الإقليمي.السعودية تدرك أن لحظات الفوضى الكبرى هي أكثر اللحظات التي تُستغل فيها الدول لضرب بعضها ببعض، وأن مشاريع الهيمنة – وعلى رأسها المشاريع الصهيونية في المنطقة – لا تقف عند حدود دولة بعينها، ولا تتوقف عند عاصمة عربية أو إسلامية واحدة.اليوم إيران، وغدًا غيرها… والمنطقة كلها هي الهدف النهائي.من هنا، اختارت الرياض منطق العقل البارد بدل منطق الانتقام، ومنطق حماية الإقليم بدل تصفية الحسابات.اختارت أن تقول:نعم، لدينا خلافات عميقة مع إيران، ونعم، عانينا كثيرًا من سياساتها وأذرعها، لكن حرق المنطقة بالكامل لن يخدم أحدًا سوى من يتغذّى على الفوضى.ولي العهد السعودي لم يكتفِ برفض استخدام الأراضي السعودية في أي اعتداء، بل شدد أيضًا على دعم المملكة لأي جهود تُفضي إلى حل الخلافات عبر الحوار، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي.وهو ما قوبل بتقدير إيراني واضح، حيث عبّر بزشكيان عن شكره للموقف السعودي، وإشادته بالدور الذي يلعبه الأمير محمد بن سلمان في تهدئة المنطقة.

الرسالة موقع إخباري متنوع