■ محمد حموتي
تشهد مدينة وجدة في الآونة الأخيرة انتشارا مقلقا لظاهرة التسول خصوصا مع تنامي مشاهد استخدام الأطفال والرضع في استجداء المارة بمختلف الشوارع والفضاءات العامة ولم يعد الأمر يثير تساؤلات بشأن الهشاشة الاجتماعية وحدها، بل امتد إلى مخاوف من احتمال استغلال بعض الأطفال لتحقيق مداخيل مالية على حساب طفولتهم وحقوقهم الأساسية.من الناحية القانونية، أكد محفوظ كيطوني المحامي ورئيس لجنة تدبير مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة، أن ظاهرة التسول ولا سيما عندما يتعلق الأمر باستغلال الأطفال تطرح إشكالات قانونية واجتماعية تستدعي معالجة تتجاوز مجرد ضبط المتسولين في الفضاءات العامة، لتشمل البحث في الجهات التي تقف وراء استغلالهم والظروف التي تدفعهم إلى الشارع.وأضاف الاسناذ كيطوني أن القانون الجنائي المغربي يميز بين عدة حالات مرتبطة بالتسول تشمل التسول العادي المنصوص عليه في الفصل 326، والتسول المقترن بظروف التشديد وفق الفصل 327، والتسول المصحوب بحمل السلاح بمختلف أنواعه طبقاً للفصل 331، فضلاً عن الحالة المرتبطة باستخدام الأطفال دون سن الثالثة عشرة في التسول، المنصوص عليها في الفصل 328.واعتبر أن استغلال الأطفال في التسول يثير تساؤلات بشأن حدود المعالجة القانونية لهذه الظاهرة، خصوصا أن الأمر لا يقتصر بالضرورة على جنحة مرتبطة بالتسول، بل قد يتجاوزها بحسب ظروف كل حالة إلى جرائم أكثر خطورة. وأشار إلى أن تجنيد الطفل أو استخدامه بصورة منتظمة ومتكررة ومستمرة، بهدف تحقيق منفعة مادية للغير عن طريق إجباره على التسول، قد يشكل، وفقاً للوقائع والظروف المحيطة به أحد مظاهر الاستغلال التي يمكن أن تندرج ضمن جريمة الاتجار بالبشر.وشدد الاستاذ كيطوني على أن المعالجة القانونية لهذه الحالات ينبغي ألا تتوقف عند ضبط طفل يمارس التسول في الشارع، بل يجب أن تمتد إلى تحديد الأشخاص الذين يقفون وراءه، والكشف عن الجهات التي تدفعه إلى التسول وتستفيد من الأموال التي يجمعها، فضلاً عن التحقق من وجود الإكراه أو التنظيم أو المراقبة أو الاستغلال المستمر.و أكد رئيس لجنة تدبير مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة أن التجربة الميدانية للمركز تكشف بحسب ما عاينه عن حالات يرتبط فيها تسول الأطفال بالإجبار والاستغلال من طرف الغير، سواء تعلق الأمر بأولياء أمورهم أو بأشخاص يوجد الأطفال تحت عهدتهم، أو بأطفال يعيشون في وضعية تخلي.وأضاف أن بعض الحالات التي أُحيلت على المركز عن طريق النيابة العامة شهدت عودة أولياء أمور للمطالبة بإخراج أطفالهم من المركز بهدف إعادة استغلالهم في التسول، دون مراعاة حقهم في الدراسة والتكوين أو الاهتمام بصحتهم. واعتبر أن هذه الوقائع تبرز خطورة اختزال الظاهرة في مجرد إبعاد الأطفال المتسولين عن الشوارع دون معالجة الأسباب والظروف التي تجعلهم عرضة للاستغلال.وأكد كيطوني أن التصدي لهذه الظاهرة يستوجب اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم، من جهة، على توفير الحماية الفورية للطفل باعتباره ضحية محتملة للاستغلال ومن جهة أخرى، على ملاحقة الأشخاص المستغلين وفقا للقانون، مع تعميق البحث في ملابسات كل حالة لتحديد المسؤوليات القانونية.ودعا إلى إعادة النظر في المنظومة القانونية المؤطرة للتسول من زاويتين أساسيتين تتعلق الأولى بمراجعة تجريم التسول العادي بالنسبة إلى الأشخاص البالغين، معتبراً أن إثبات انعدام وسائل العيش يطرح صعوبات عملية، وأن الفقر والحاجة يستدعيان في تدخلاً اجتماعيا بدل اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية. كما رأى أن استمرار تجريم التسول في النص القانوني لا يعني بالضرورة فعاليته في الحد من الظاهرة.أما الزاوية الثانية فتتعلق، بحسب المتحدث، بضرورة تحيين المنظومة الجنائية بما يعزز الحماية القانونية للأطفال المستغلين في التسول، مع الدعوة إلى التنصيص بشكل صريح على تجريم هذه الممارسات في إطار قانوني يراعي أركان جريمة الاتجار بالبشر، فضلاً عن وضع مقتضيات قانونية لمواجهة التسول الرقمي واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق منافع مادية غير مشروعة.إن مواجهة استغلال الأطفال في التسول بمدينة وجدة لا يمكن أن تقتصر على الحد من مشاهدتهم في الشوارع، بل تستوجب معالجة الأسباب الاجتماعية التي تدفعهم إليها، وتوفير الحماية والرعاية اللازمتين لهم، مع مساءلة كل من يثبت تورطه في استغلالهم.فالأطفال الذين يجوبون الشوارع لاستجداء المارة ليسوا مجرد مشهد عابر في الحياة اليومية بل هم فئة تحتاج إلى تدخل فعلي يضمن حقها في التعليم والعيش الكريم، ويصونها من كل أشكال الاستغلال التي تهدد حاضرها ومستقبلها. فحماية الطفولة لا تتحقق بإبعاد الأطفال عن الأرصفة وحدها وإنما ببناء منظومة متكاملة تضمن سلامتهم وكرامتهم وتمنحهم فرصة حقيقية لحياة آمنة.

محفوظ قيطوني
الرسالة موقع إخباري متنوع