النقاش العمومي، بكل تموجاته وتقاطعاته، الذي أثارته مغادرة الدكتور محمد بودرة لحزب الأصالة والمعاصرة، هو نقاش جدير بالمتابعة الهادئة والمسؤولة. ليس فقط لأن الأمر يتعلق بحزب له حضوره في المشهد السياسي الوطني، ولكن أيضاً لأن انتقال أو انسحاب شخصية سياسية وازنة يطرح أسئلة مشروعة حول الممارسة الحزبية، وأخلاقيات الالتزام، ومسارات الاختلاف داخل المؤسسات.في المقاربة الحقوقية والسياسية الرصينة، لا تُقرأ مثل هذه الخطوات بمنطق الاصطفاف أو الخصومة، بل بمنطق الحق في الاختيار، وحرية الموقف، وتعدد الاجتهادات داخل الفضاء الحزبي. فالحياة الديمقراطية السليمة تقوم على دينامية النقاش، وعلى قابلية التنظيمات السياسية لتدبير الاختلاف، كما تقوم على حق الأفراد في إعادة تموقعهم وفق قناعاتهم وتقديراتهم.إن الأحزاب ليست كيانات جامدة، بل فضاءات بشرية وفكرية تتطور، تتقوى أحياناً بالانسجام، وأحياناً أخرى بالنقد والمراجعة. ومن هذا المنظور، فإن كل محطة من هذا النوع يمكن أن تتحول إلى فرصة للتفكير في سبل تعزيز الديمقراطية الداخلية، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الرأي المخالف دون تخوين أو تجريح.كما أن تقدير الأشخاص لا يعني بالضرورة تبني اختياراتهم، بل الاعتراف بإسهامهم في النقاش العمومي وخدمتهم للشأن العام. والاحترام الواجب للمؤسسات الحزبية يقابله احترام لا يقل أهمية لكرامة الفاعلين السياسيين وحقهم في اتخاذ قراراتهم باستقلالية.بهذه الروح السياسية الحقوقية، يصبح النقاش حول مثل هذه التحولات فرصة لرفع منسوب الوعي السياسي، وتغليب لغة المؤسسات والقيم على لغة الانفعال والتصنيف، بما يخدم في النهاية جودة الحياة الديمقراطية… بالرغم من كل شئ ؛ الأصالة و المعاصرة حزب لا يغادر !!
■ عبدالسلام بوطيب

الرسالة موقع إخباري متنوع