بالإضافة إلى الكارثة الطبيعية التي ابتلانا الله بها في الشمال ، وفي القصر الكبير على وجه الخصوص، ظهرت وسط هذا المشهد الموحش كارثة أخرى لا تقل فداحة… كارثة بشرية ، إعلامية، تسللت بين أنين البيوت الغارقة وصمت الشوارع المكسورة، وكأنها تزيد الطين طينا، وتضيف إلى الفاجعة طبقة جديدة من العبث…في لحظات كهذه، حين تكون المدينة في حالة نزيف، وحين يبحث الناس عن نجدة وعن كلمة صادقة، خرجت نماذج إعلامية لا تحمل من الصحافة سوى شكلها الخارجي. ميكروفون في اليد، هاتف في الجيب، ووعي فارغ يتجول وسط الخراب بحثا عن لقطة ترفع المشاهدات، لا عن سؤال يوقظ الضمير…إعلامي يسأل عن مصير القطط والكلاب، وآخر يتحدث عن دجاجة شاردة وسط المدينة، وثالث يعلّق على عملية إطلاق مياه السد بأسلوب يجعل المشهد أقرب إلى مسرح هزلي. بدل أن يكون الإعلام مرآة للوجع، صار أداة للتفاهة، بدل أن يرفع منسوب الإحساس الجماعي، صار يهبط به إلى حضيض السخرية…هذه النماذج لا تمثل الصحافة، بل تمثل سقوطها الرمزي. أشخاص لا يملكون أبجديات المهنة، ولا الحد الأدنى من التكوين، ومع ذلك يتصدرون المشهد، يخوضون في مواضيع تثير القرف، ويستبدلون التحقيق بالاستعراض، والمعنى بالضجيج، والرسالة بالبوز…الصحافة ليست مجرد كاميرا تلتقط، الصحافة عقل اجتماعي يفرز الوقائع، وضمير أخلاقي يزن الكلمات قبل إطلاقها. لأن الكلمة ليست صهوة حمار يركب عليها من يشاء ، الكلمة تصنع الرأي العام، والرأي العام ليس جمهورا بلا ذاكرة، بل كيان ثقافي يتشكل عبر اللغة والصورة والسرد…إذا استمر هذا الانحدار، سنصنع وعيا مشوشا، مجتمعا يعيش داخل ضباب رمزي كثيف، مجتمعا يستهلك المأساة كما يستهلك الترفيه، ويضحك في الموضع الذي يستدعي الصمت، ويصفق في المكان الذي يستدعي الغضب…لقد آن الأوان لإعادة النظر في مهنة الصحافة، لأننا أمام زمن صار فيه الإعلام مهنة من لا مهنة له. صحافي لا يفرق بين أبسط قواعد اللغة، ولا يملك أدوات التحليل، ولا يعرف معنى المسؤولية، لا يمكنه أن يكون صوت الناس، ولا مرآة الحقيقة…ارحموا هذه المهنة التي حملت يوما أسماء كبرى، جوزيف بوليتزر الذي جعل الصحافة قوة رقابة أخلاقية، ووالتر كرونكايت الذي صار رمزا للصدق في زمن التزييف، وإدوارد مورو الذي واجه الخداع بثبات الكلمة. هؤلاء لم يؤسسوا الصحافة كي تتحول إلى سيرك رخيص فوق أنقاض المدن…..في العمق، نحن أمام أزمة ثقافية كاملة، أزمة وعي، أزمة معنى. الإعلام حين يسقط لا يسقط وحده، بل يسقط معه مستوى الأسئلة، ومستوى التفكير، ومستوى المجتمع بأكمله. لأن الكارثة الطبيعية تنتهي حين تنحسر السيول، أما الكارثة الإعلامية فتترك طينا في الروح لا يجف بسهولة…

الرسالة موقع إخباري متنوع