فاجعة تهز جرادة: جريمة أسرية تقشعر لها الأبدان

الجريمة التي استفاقت عليها مدينة جرادة أمس لايمكن أن نمر عليها كما لو كانت حادثة عابرة في سجل العنف الاسري ولا خبرا عاديا في صفحات الاخبار ولا رقما جديدا في ارشيف الجرائم المنسية . كانت شقا غائرا في جسد الوعي الجمعي وصفعة ثقيلة على وجه المجتمع الذي اعتاد ان يتجاهل الصدوع النفسية حتى تتحول الى انفجارات دموية…أب يقتل ابنتيه وزوجته بدم بارد ثم يغادر المنزل كما يغادر المرء مكانا لم يعد يعنيه وكأن الفعل لم يكن سوى تفريغ أعصاب او تسوية حساب داخلي مؤجل منذ سنوات طويلة هذا المشهد لا يمكن قراءته بمنطق السطح ولا يمكن فهمه بمنطق الغضب اللحظي بل يستدعي الغوص في الطبقات السفلى من النفس البشرية حيث يتراكم القهر وتتعفن الخيبات ويتحول الالم الى وحش صامت يتغذى على الصبر القسري…العقل السوي لا يذبح ذاكرته ولا يقتل امتداده البيولوجي ولا يمحو وجوه من صنعوا له معنى الوجود الا اذا كان هذا العقل قد انهار من الداخل وتفتتت بنيته الادراكية وتعرض جهازه النفسي الى اختلالات عميقة جعلته يرى العالم كتهديد دائم ويرى القريب كعدو محتمل ويرى ذاته كمركز لكون عدائي..هنا لا يعود السؤال سؤال جريمة بل سؤال بنية نفسية مشروخة سؤال ثقافة اجتماعية تضع الصحة النفسية في خانة العيب وتضع الطبيب النفسي في خانة الوصمة وتضع المريض النفسي في خانة الجنون في حين أن هذا المريض قد يكون موظفا وأبا ومربيا وجارا ووجها مألوفا في المقاهي والمساجد والأسواق يحمل داخله أعاصير مكبوتة لا احد يسمع هديرها …المجتمع الذي يقدس الصمت ويجرم البوح ويخجل من الاعتراف بالانهيار الداخلي يصنع قنابل بشرية تمشي على أرصفة الحياة اليومية تبتسم في الوجوه وتصافح الايدي وتجلس في الصفوف الامامية بينما داخلها تتآكل …..الطب النفسي في الوعي الجمعي ما زال مرتبطا بصورة المختل والممسوس والمجنون في حين ان الحقيقة العلمية تؤكد ان الاضطرابات النفسية امراض بيولوجية معرفية وجدانية لها اسباب عصبية وهرمونية وبيئية لها تشخيص ولها علاج ولها بروتوكولات علاجية دقيقة مثلها مثل امراض القلب والسكري والضغط…المدن الفقيرة تحمل في جدرانها رواسب القهر وفي ازقتها تراكمات الحرمان وفي بيوتها ضيق الاحلام وانسداد الافق حيث يتحول الفقر من حالة اقتصادية الى بنية نفسية مزمنة تنتج القلق الوجودي والاكتئاب التفاعلي واضطرابات التكيف والعدوان المكبوت…الانسان حين يعيش سنوات طويلة في هامش الحياة تتآكل صورته عن ذاته تتشوه علاقته بالزمن يفقد ثقته بالمستقبل يشعر انه فائض عن الحاجة يشعر ان العالم يدير ظهره له فيتحول هذا الشعور الى احتقان داخلي يتضخم ويتكاثر كخلايا سرطانية حتى يصل لحظة الانفجار…في رواية دوستويفسكي الجريمة والعقاب نسمع راسكولنيكوف يهمس من اعماقه انه لم يقتل العجوز بل قتل الفكرة التي كانت تسكن رأسه تلك الفكرة التي جعلته يرى الاخر عبئا والضعيف فائضا والقتل حلا فلسفيا وهنا تتجلى خطورة الافكار حين تتحول الى مبررات داخلية للعنف…وفي تأملات ميشيل فوكو حول الجنون نلمس كيف ان المجتمعات لا تعالج المرض النفسي بل تعزله كيف لا تفهم الاختلال بل تقمعه كيف لا تسمع الوجع بل تسجنه في هامش الصمت حتى ينفجر في اشكال وحشية…الجريمة التي وقعت في جرادة لا تبرر ولا تغتفر ولا تمحى بتفسير نفسي لكنها تفرض علينا واجب التفكيك واجب التشريح الاجتماعي واجب مساءلة السياسات العمومية حول الصحة النفسية واجب مساءلة المدرسة والاعلام والمسجد والاسرة حول ثقافة الوعي النفسي…نحن امام ظاهرة تتجاوز الفرد نحو النسق تتجاوز الشخص نحو البنية تتجاوز الفعل نحو المنظومة امام مجتمعات تنتج الاضطراب ثم تستغرب الجريمة تنتج القهر ثم تصدم من العنف تنتج الصمت ثم تفزع من الانفجار…الانسان حين يفقد القدرة على الكلام يتحول جسده الى لغة حين يفقد القدرة على البوح يتحول فعله الى صراخ حين يفقد القدرة على الفهم يتحول غضبه الى سكين،الصحة النفسية ليست ترفا ولا رفاهية ولا كماليات حضارية بل شرط وجودي لاستمرار المجتمع شرط اخلاقي لحماية الضعفاء شرط انساني لصون الحياة من الانهياروما لم نكسر تابوهات المرض النفسي وما لم نعيد الاعتبار للطبيب النفسي وما لم نؤسس لثقافة الاعتراف بالهشاشة الانسانية وما لم نرفع وصمة العار عن العيادات النفسية ستظل البيوت تحمل موتا مؤجلا وستظل المدن تنام على قنابل صامتة تنتظر شرارة صغيرة لتشتعل…جرادة لم تستفق على جريمة فقط بل استفيقت على سؤال كبير عن معنى الانسان حين ينهار وعن معنى المجتمع حين يتفرج وعن معنى الدولة حين تتأخر وعن معنى الثقافة حين تصمت…انها لحظة مواجهة مع مرايا الوعي لحظة محاسبة للضمير الجمعي لحظة اعتراف بأن الدم الذي سال لم يكن معزولا عن سياق ولا منفصلا عن تاريخ ولا بعيدا عن واقع يثقل الروح ويخنق الاحلام ويكسر التوازن النفسي للانسان المقهوروحين نكتب عن هذه الجريمة نكتب عن هشاشتنا جميعا نكتب عن خوفنا المؤجل نكتب عن ارواح تمشي بيننا ولا تجد من يسمع انينها حتى يتحول الانين الى مجزرة…الجريمة المروعة التي استفاقت عليها مدينة جرادة ليست خبرا عابرا في شريط الدم اليومي، هي شق عميق في وعي جماعي اعتاد تأجيل الاسئلة الكبرى. أب يقتل ابنتيه وزوجته بدم بارد، يغادر البيت كما لو انه يغادر غرفة فقدت معناها، ثلاث ارواح مطفأة داخل فضاء يفترض انه ملاذ، وذاك الفعل في جوهره يخرج عن منطق الابوة، عن بديهية الغريزة، عن الحد الادنى من العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه معنى العيش المشترك…هذه الجريمة لا تسكن فقط في خانة الانحراف الفردي، بل تتوزع بين طبقات معقدة من الهشاشة النفسية، العنف الرمزي، الفقر الوجودي، والاختناق الاجتماعي. لا يمكن لعقل سوي ان يرتكب هذا الفعل، وهذه ليست جملة تبريرية، بل مدخل تحليلي نحو سؤال الصحة النفسية بوصفها بعدا مغيبا في مجتمعات ترى في الصمت فضيلة، وفي الكبت تربية، وفي الانهيار ضعفا اخلاقيا…الدراسات الاجتماعية والنفسية تشير بوضوح الى ان المجتمعات الهشة اقتصاديا تعيش ضغطا وجوديا مضاعفا. الفقر لا يسكن الجيوب فقط، بل يسكن الوعي، يعيد تشكيل تصور الفرد لذاته، يخلق احساسا بالدونية، يراكم غضبا بلا لغة. ضغط الحياة اليومي، البطالة، التهميش، غياب العدالة المجالية، انسداد قنوات التعبير، كلها عوامل تنتج ما يسميه علماء النفس الاجتماعي بالتشظي الداخلي، حالة يصبح فيها الفرد غريبا عن ذاته، منفصلا عن محيطه، قابلا للانفجار عند اول شرارة…في هذا السياق تكتسب الجريمة بعدا بنيويا، تتحول الى عرض لمرض جماعي، لا يختزل في فرد واحد، بل يعكس فشل منظومة الرعاية، التربية، الاحتواء. هنا لا نتحدث عن تبرير، بل عن تفكيك. التفكيك فعل مقاومة، مقاومة التكرار، مقاومة العمى الاخلاقي الذي يكتفي بالشجب ثم يواصل السير…دوستويفسكي، في عتمة رواياته، كان يكتب الانسان وهو يتداعى، كان يرى الجريمة كمرآة للروح حين تحاصرها الهاوية، وحين قال على لسان احد شخوصه ان الانسان لغز، لم يكن يبحث عن حل، كان يشير الى عمق لا يحتمل السطحية. فرويد بدوره، وهو ينقب في لاوعي البشر، كشف ان المكبوت حين لا يجد مسارا رمزيا يعود في هيئة فعل، عنف، تدمير، انتحار او قتل، وكأن النفس تنتقم من تجاهلها…..ما حدث في جرادة يجب ان يهزنا ابعد من الصدمة. يجب ان يعيد ترتيب اولوياتنا، ان يضع الصحة النفسية في قلب السياسات العمومية، في المدرسة، في الاعلام، في الخطاب الديني، في النقاش اليومي. يجب ان نعيد الاعتبار لفكرة الاصغاء، للعلاج، للوقاية، للفهم العميق للانسان بوصفه كائنا هشا، مركبا، متناقضا، قابلا للانكسار…السكوت عن هذه الاسئلة يجعلنا شركاء في التكرار. البحث في اسباب الجريمة ليس ترفا فكريا، بل شرط اخلاقي. وحده الوعي النقدي القادر على تحويل المأساة الى معرفة، والمعرفة الى فعل، والفعل الى حماية محتملة لارواح اخرى لم تسقط بعد.

■ سعيد حجي

شاهد أيضاً

الأستاذ الجامعي بين الأمس واليوم: حين يُبخَس العِلمُ وأهلُه.. في التحوّل من الأستاذ مشروع المفكّر إلى الدكتور الشهادة

في الماضي ، لم يكن الأستاذ الجامعي مجرد موظف يلقّن مقررا، بل كان قيمة رمزية …

انسحاب اخنوش ، ليس قراراً شخصيا بل ضرورة لمصلحة البلاد لو كان انسحاب اخنوش قرارًا …

اترك تعليقاً