الأستاذ الجامعي بين الأمس واليوم: حين يُبخَس العِلمُ وأهلُه.. في التحوّل من الأستاذ مشروع المفكّر إلى الدكتور الشهادة

في الماضي ، لم يكن الأستاذ الجامعي مجرد موظف يلقّن مقررا، بل كان قيمة رمزية ومعرفية. كنا ننظر إلى أساتذتنا كما يُنظر إلى القامات الكبرى: لا رهبة مصطنعة، بل هيبة نابعة من عمق التكوين، وصلابة المشروع الفكري، واستقلالية الموقف المعرفي. ولم يكن هذا الانطباع وهما طلابيا أو أثرا لحداثة السن، بل حقيقة تؤكدها آثار أولئك الأساتذة التي ما تزال تؤثث الفضاء الثقافي والفكري إلى اليوم.

في ذلك الزمن، كان لقب “دكتور” يحمل شحنة رمزية عالية. لم يكن شائعا، ولم يكن سهلا، ولم يكن هدفا إداريا. كانت الدكتوراه مشروع حياة، لا سلّما للترقية. لذلك كان عدد الدكاترة قليلا، لكن أثرهم عميق، ممتد، ومتراكم. أما الأساتذة ذوو الكفاءة المتدنية فكانوا استثناء نادرا، وغالبا ما يعانون مع الطلبة أكثر مما يعاني الطلبة معهم، لأن طالب الأمس لم يكن طالب اليوم: قارئ، مجادل، صبور على النصوص الصعبة، لا يستسيغ الاستسهال ولا يقبل الرداءة.

مع نهاية التسعينيات بدأت التحولات الكبرى. توسّعت الجامعة كمّا، وبدأ منطق الوظيفة يتسلل إلى منطق المعرفة. ظلّ التكوين محترما نسبيا، لكن أولى علامات التمييع ظهرت: الدكتور الذي ينجز أطروحته ليُدرّس، لا ليُفكّر؛ والبحث الذي يُكتب للاستيفاء، لا للإضافة.

أما مع الألفية الثالثة، فقد دخلنا مرحلة مختلفة تماما: تضخم عددي للشهادات يقابله تراجع نوعي في التكوين. صار لقب الدكتور شائعا إلى حد الابتذال، يحوزه من لم يكتب يوما مقالا علميا، ولم يشارك في نقاش فكري، ولم يضف لبنة واحدة إلى حقل معرفي. أطروحات دكتوراه في أغلبها غثاء معرفي، لا ترقى أحيانا إلى مستوى بحث إجازة جاد، لكنها تمرّ، وتُناقش، وتُمنح، لأن المنظومة نفسها فقدت مناعتها.

لم يعد المشكل في الأفراد، بل في شروط إنتاج الأستاذ الجامعي. تحوّلت الجامعة من فضاء لإنتاج المعنى إلى مصنع للشهادات، ومن زمن أكاديمي بطيء وعميق إلى سباق إداري محموم. وغابت المشاريع الفكرية الفردية لصالح نُشرٍ سريع، مناسباتي، موجه للتنقيط لا للتراكم المعرفي.

زاد الطين بلة الدور الذي لعبه الإعلام، حين قدّم نماذج سطحية باعتبارها “خبراء” و”دكاترة”، لا لعمقها، بل لقدرتها على الاستعراض والتبسيط المخلّ. هكذا تآكلت صورة الأستاذ، لا فقط بسبب ضعف التكوين، بل بسبب الابتذال الرمزي الذي أفرغ اللقب من محتواه.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال الأزمة في الأستاذ وحده. فالطالب نفسه تغيّر: ابن السرعة، والخوارزمية، والملخص، يطلب النتيجة لا المسار، والشهادة لا المعرفة. إنها أزمة منظومة كاملة: مدرسة، وجامعة، وإعلام، وسياسات تعليمية جعلت الكم بديلا عن النوع.

لسنا إذن أمام صراع أجيال، ولا أمام حنين رومانسي إلى الماضي، بل أمام سؤال مصيري:

هل نريد جامعة تُنتج مفكرين، أم مؤسسة تُوزّع ألقابا؟

لأن الجواب عن هذا السؤال لا يحدد فقط صورة الأستاذ، بل يحدد مستقبل المعرفة نفسها.

شاهد أيضاً

هندسة الخداع: كيف يعاد ” تدوير ” الوجوه لحماية منظومة الفساد؟

رحيل أخنوش.. مناورة “تجديد جلد الأفعى” في دهاليز السياسة المغربية، حيث تُحاك الخيوط بعناية خلف …

حينما يموت المعنى، يصبح اللفظ حيوانا !

ليل، برد وكلب ينبح… حمدا لله لا يزال لنا حس نعلم به مكاننا وأوقاتنا… وسَمعٌ …

اترك تعليقاً