إن الدرس الفنيزويلي امتداد لدروس كثيرة وكثيفة ، ولأننا لم نزاول قط تمرين إرساء ضمانات عدم التكرار ، ولأن التواطؤ والخذلان والجبن يسكنون ثنايا إرادات بعضنا التائه أمام جبروت القوة والفاقة ؛ ، فإن التفكير في اللحظة الديموقراطية لابد وأن يعود إلى جدول أعمالنا الوطني ، في إطار ربط الوحدة الوطنية بالديموقراطية ، وبتصفية علاقاتنا مع الخارج من التبعية والتعاون الإقتصادي والأمني الإشتراطي ؛ فقد شهدت وتشهد البيئة الدولية تحولات عميقة تتسم بتراجع أنماط التدخل العسكري المباشر وصعود صيغ أكثر تعقيدًا تقوم على إنهاك الدول من الداخل عبر العقوبات، نزع الشرعية، الضغط السردي، وإعادة قولبة التحالفات. وقد أظهرت التجارب المقارنة، خصوصًا منذ 2014، أن ما يُسمّى بسياسات تغيير الأنظمة لم يُفضِ إلى بناء أنظمة أكثر ديمقراطية أو استقرارًا، بل أسهم في تعميم منطق القوة، تآكل الشرعية الدولية، وتحويل الشعوب إلى ساحات اختبار جيوسياسي مفتوح. في هذا السياق، يصبح تحصين التجربة المغربية رهينًا بقدرتها على استيعاب هذه التحولات لا عبر منطق التحصين والانغلاق، ولا عبر التبعية والارتهان، بل من خلال بناء توازن سيادي مسؤول.إن الاستقرار المغربي، رغم ما راكمه من عناصر قوة، يظل مسارًا تاريخيًا قابلًا للتآكل إذا لم يُدعَّم بإصلاحات بنيوية متواصلة. فالاستثناء لا يتحول إلى ضمانة إلا إذا اقترن بتجديد العقد الاجتماعي وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وتُظهر التجارب أن هشاشة الجبهة الداخلية، سواء عبر الفوارق الاجتماعية والمجالية أو ضعف الوساطة السياسية والمؤسساتية، تشكل المدخل الأساسي لأي ضغط أو اختراق خارجي، حتى في غياب تدخل مباشر. وعليه، فإن الأمن الحقيقي لا يُنتج فقط عبر الضبط، بل عبر العدالة الاجتماعية وتقليص الخصاص وإعادة ترتيب الأولويات العمومية بما يجعل الاجتماع أساس الاستقرار لا ملحقًا له.كما أن الدفاع عن السيادة الوطنية يقتضي إعادة تعريفها باعتبارها إطارًا للمساءلة والشرعية، لا ذريعة لتحصين السياسات أو تعطيل النقد العمومي. فالسيادة غير المرتبطة بالمحاسبة تفقد مضمونها وتتحول إلى عبء على الدولة نفسها، في حين أن مساءلة بلا سيادة تفتح الباب أمام تدويل الاختلالات الداخلية. ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال الديمقراطي غير قابل للفصل عن انتقال أمني حقيقي يقوم على تأهيل العقيدة الأمنية وربطها بدولة القانون، بما يضمن حماية الاستقرار دون إنتاج توترات صامتة أو تراكمات انفجارية.وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، تبرز الحاجة إلى مراجعة أنماط التعاون الاقتصادي والأمني التي تقوم على الاشتراط غير المعلن أو الارتهان غير الشفاف. فالتبعية المقنّعة أثبتت، في تجارب متعددة، أنها أكثر كلفة من التدخل المباشر، لأنها تُفرغ القرار الوطني من محتواه السيادي دون إعلان صريح. لذلك، فإن الندية في العلاقات الدولية ينبغي أن تُفهم كمنزلة وسطى عقلانية، لا كخطاب تعبوي ولا كقطيعة، بل كعلاقة تعاقدية قائمة على الشفافية والمصلحة المتبادلة واحترام الخصوصيات الوطنية. ويؤكد التاريخ القريب أن الدول الكبرى لا تحمي الأنظمة ولا الحلفاء بقدر ما تحمي مصالحها، وأن التحالفات بطبيعتها ظرفية وقابلة لإعادة التشكيل أو التخلي، ما يجعل الرهان الحقيقي هو بناء القوة الذاتية الداخلية لا التعويل الخارجي.إن المرحلة الراهنة تفرض اعتماد التفكير النقدي التوقعي كأداة سيادية بامتياز، قادرة على استباق الأزمات بدل تدبيرها بعد الانفجار، وعلى حوكمة السرديات قبل أن تُفرض سرديات جاهزة من الخارج أو الداخل. ويقتضي ذلك الاستثمار في فهم التحولات، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتعزيز الوساطة المجتمعية، وربط الإصلاح السياسي بالإصلاح الاجتماعي ضمن أفق تنموي مستدام. فالديمقراطية، في هذا التصور، ليست إجراءً تقنيًا ولا حدثًا انتخابيًا، بل مسار سيادي متدرج لإنتاج الثقة، إدارة الاختلاف، وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.نخلص من خلال هذا التذكير المتكرر إلى أن تحصين المغرب لا يمر عبر الخوف من التغيير ولا عبر استدعاء الخارج لضبط الداخل، بل عبر بناء سيادة مسؤولة، وعدالة اجتماعية فعالة، وأمن مؤطَّر بالقانون، وعلاقات دولية ندّية ومتوازنة. وهي مقاربة لا تدّعي تقديم حلول جاهزة، بقدر ما تسعى إلى توجيه السياسات العمومية نحو أفق استباقي يربط بين الاستقرار والديمقراطية باعتبارهما مسارين متلازمين لا متعارضين.
مصطفى المنوزي

الرسالة موقع إخباري متنوع