فيما مضى الدول الاستعمارية اعتمدت كثيرًا على علماء الأنثروبولوجيا (Anthropologie) والرحّالة والمستشرقين لجمع المعلومات عن القبائل والعشائر والجغرافيا والتاريخ والنزاعات…وذلك قبل الاحتلال وأثناءه، واليوم في هذا العصر الحديث لم تعد تلك الدول في حاجة الى ذلك فنحن بحسن نية نتكفل بما فعله الرحالة والأنثروبولوجيون…يكفي أن تفتح وسائل التواصل الإجتماعي لتجد كمًّا عرمرما من المعلومات التي قد تراها بعينك تافهة لكنها في عين مترصدك ومُحْتَلك المستقبلي غاية في الأهمية…فلما يخبرك الفايس مثلا أن في دوار نائي توجد امرأة اسمها ”الضاوية” تتصارع مع زوجة عمها ”خضرة” حول ملكية أرض شاسعة على سواحل المحيط… هذا خبر سيمر عليك كأي خبر تافه تنثره الميديا بلغة دارجة فضة ومضحكة، تضحك عليها، فيما هم وراء الشاشات يضحكون على نومك الهاني ويخططون مستقبلك الفاني…بعد بضع سنين… ستقرأ هذا الخبر ولن ترجع سنوات قبله لتحلل أسبابه، ”أرض الضاوية” اشترتها سلاسل فنادق شهيرة تابعة لمستثمر أجنبي! أين الضاوية؟ سيخبرك السذج انها تزوجت من خليجي أنقذها من العنوسة و”حكرة ”خضرة” الشريرة… وأين ”خضرة” ؟ خانت زوجها وهربت، أما زوجها ”المعطي” فمن هول الصدمة جُن وأدخلوه مصحة مجانين… والأرض التي كانت تُخرج حبا وثمارا وعنبا، صارت تجمع صفوف شباب عاطل يدفع سيرته الذاتية لقاء عمل بأجر زهيد في فندق شهير يُبنى ويُشيد…كلنا جواسيس مع حسن النية، نُخرِج المعلومات بعاطفة وحِنِّية، فيتلقفها الآخرون يخرجون لنا قصصا تعبث بالحمية، نرتج لها وتَسْكُننا للغضب جِنِّية، فما يصبح لنا عقلٌ فنرهن عقلنا للأجنبي سديد الأهداف سديد الرَّمية، فيقسم بلادنا كما مضى، غير أننا اليوم نحمل في وجهه ورودا لا بندقية.
■ مالك بوروز

الرسالة موقع إخباري متنوع