على ماذا وقع بوريطة في دافوس ؟

ما وقع اليوم في منتجع دافوس بسويسرا ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مجرد توقيع على وثيقة دبلوماسية جديدة.ما جرى هو حلقة إضافية في تفكيك النظام الدولي كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبناء نسخة جديدة منه، تُقاد من شخص واحد، وبمنطق تاجر عقارات يتصرّف كقيصر روماني جديد.أمس، وقّع وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، بتعليمات من الملك محمد السادس، على تأسيس منظمة دولية لا تشبه أي منظمة سبقتها: رئيسها، أو بالأحرى “مالكها”، هو دونالد ترامب؛ رسم الدخول إليها مليار دولار؛ وسلطة الحل والعقد فيها مركزة بالكامل في يد أبو إيفانكا.اسم المنظمة الجديدة: مجلس السلام، لكن مضمونها أقرب إلى إعلان رسمي عن نهاية نظام دولي وبداية نظام آخر.البلاغ الرسمي المغربي، الذي أعلن الخبر قبل قليل، قرن صفة الملك الذي أعطى تعليماته لوزير خارجيته بالدخول إلى هذه المنظمة كعضو مؤسس وأول موقع على الميثاق المؤسس ، بصفته رئيس لجنة القدس. وهذه دلالة واضحة: انخراط المغرب في هذا المجلس المثير للجدل جرى بخلفية الدفاع عن السلم والسلام في الشرق الأوسط، وفي قلبه القضية الفلسطينية، وتحت قبعة الدفاع عن القدس.أي إن الملك يقدّم هنا تفسيرًا سياسيًا وديبلوماسيا لانضمام المغرب إلى “مجلس ترامب”، الذي ما تزال أهدافه ومراميه غامضة، محمد السادس يقول للرأي العام الداخلي والخارجي: نحن دخلنا مجلس السلام بهدفين؛أولًا، المساهمة في إحلال السلام في فلسطين المحتلة ،وثانيًا، المشاركة في إيجاد آلية جديدة لتسوية النزاعات الدولية.طبعًا، المغرب، وسيرًا على نهج الواقعية والبراغماتية في إدارة تعقيدات المشهد الدولي، ومحاولةً لاستثمار وجود ترامب في البيت الأبيض، وقربه من تصور الرباط لحل نزاع الصحراء، من أجل إنهاء هذا الملف، دخل إلى مجلس السلام وفي يده شيك بمليار دولار، ثمن الجلوس إلى طاولة لا يجلس حولها إلى الآن سوى أصدقاء ترامب والمقرّبين منه.هل هذا في صالح المغرب وقضاياه الخارجية وموقعه في الساحة الدولية العربية والإفريقية ؟من الممكن أن يكون الدخول إلى هذا المجلس، وجلوس ممثل المغرب قرب ترامب وصقور إدارته، مفيدًا تكتيكيًا في خدمة مصالح المغرب الديبلوماسية ، خاصة في ما يتعلق بحلحلة نزاع الصحراء، وإيجاد آلية داعمة لآليات الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي من أجل تسريع التفاوض حول نهاية نزاع عمره نصف قرن.لهذا سننتظر تطورات هذا المشهد المعقّد، لنرى كيف سيشتغل هذا المجلس، ومن سيدخله، ومن سيقاطعه، ومن سيقف على بابه. وسننتظر أيضًا مآل شدّ الحبل بين ترامب وأوروبا، والصين، وروسيا.لكن في المقابل، هناك محاذير حقيقية:في حال فشل تاجر العقارات القديم في تسويق مشروعه،وفي حال أدّت جهوده إلى زعزعة النظام الدولي القديم، وإعادة تشكّل أحلاف وأقطاب جديدة مضادة لأمريكا ترامب،قد نجد أنفسنا في مواجهة مع حلفائنا التقليديين، خاصة في أوروبا، وخصوصًا فرنسا، التي تستعد لمعركة شرسة مع إدارة ترامب.كان هنري كيسنجر يقول، على عادته في صياغة جُمل دبلوماسية مكثفة ومعبرة:«أن تعادي أمريكا فهذا خطر، لكن أن تصادقها فهذا خطر أكبر».الحذر واجب إذن، في البُعد كما في القُرب.من أين أتى هذا المجلس؟المنظمة الدولية الجديدة التي رأت النور اليوم رسميًا فوق ثلوج منتجع دافوس، برئاسة دونالد ترامب، تحمل اسم «مجلس السلام» (Board of Peace).وكان هذا المجلس منصوصًا عليه في الأصل ضمن نص اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الموقّع في شتنبر من السنة الماضية، على أساس الإشراف على إدارة القطاع وإعادة إعماره. غير أن وظيفته توسّعت فجأة وبشكل لافت، لتتجاوز الشرق الأوسط، وتتحول إلى إطار دولي عام لتدبير النزاعات.الميثاق، الذي نُشر يوم الأحد الماضي على الإنترنت، لا يتضمن أي إشارة إلى غزة، بل يمنح المجلس صلاحيات تبدو شديدة الشبه بصلاحيات مجلس الأمن الدولي، ولكن بنسخة ثانية، هذه المرة تحت الرئاسة الاسمية، بل الفعلية، لدونالد ترامب.وجاء في المادة الأولى من الميثاق:«مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء حكامة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة من النزاعات أو المهددة بها».وتضيف المادة نفسها:«سيمارس مجلس السلام وظائفه في مجال ترسيخ السلام كما هو معتمد بموجب هذا الميثاق، بما في ذلك إعداد ونشر أفضل الممارسات التي يمكن تطبيقها من قبل جميع الدول والمجتمعات الساعية إلى السلام».صلاحيات غير مسبوقة… ورئيس فوق الجميعالميثاق يمنح سلطات واسعة وغير مسبوقة لرئيس مجلس السلام، أي دونالد ترامب.فهو يتمتع بحق رقابة مباشرة على الأعضاء، كما أن العضوية لا تُفتح تلقائيًا أمام الدول، بل تقتصر فقط على تلك التي يوجه لها الرئيس دعوة رسمية.وتدخل العضوية حيز التنفيذ بمجرد توقيع الميثاق، وتمتد لثلاث سنوات قابلة للتجديد.ويجوز للرئيس عزل أي عضو، ما لم تعارض ذلك أغلبية الثلثين من الدول الأعضاء.كما يتيح الميثاق ما يسمى بـ «العضوية المميّزة» (VIP)، وهي صيغة استثنائية لا تخضع لقاعدة الثلاث سنوات، وتُمنح للدول التي تدفع أكثر من مليار دولار نقدًا خلال السنة الأولى من إنشاء المجلس.مجلس تنفيذي أميركي… بلمسة شخصيةيتكوّن المجلس التنفيذي من ستة أميركيين، جميعهم من الدائرة الضيقة المحيطة بترامب: • وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، • مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف، • صهره جاريد كوشنر، • رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، • مستشار الأمن القومي المساعد روبرت غابرييل، • والملياردير الأميركي مارك روان.أما العضو الأجنبي الوحيد، فهو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.الرئيس هو المرجع النهائيينص الميثاق على أن “النزاعات الداخلية بين أعضاء مجلس السلام” يجب أن تُحل عبر “تعاون ودي”، لكنه يذهب أبعد من ذلك حين يقرّ صراحة بأن:«الرئيس هو السلطة النهائية فيما يخص معنى هذا الميثاق، وتفسيره، وتطبيقه».كما يُخوَّل له اعتماد الختم الرسمي المستقبلي لمجلس السلام.وهو تفصيل صغير في الظاهر، لكنه يحمل دلالة كبرى:لسنا أمام منظمة دولية تقليدية، بل أمام بنية سياسية دولية تتمحور حول شخص واحد، وتؤشّر بوضوح إلى انتقال العالم من شرعية المؤسسات إلى منطق «الإمبراطورالحَكم – المالك».

شاهد أيضاً

دعوة المؤرخ الإسرائيلي اليهودي المناهض للاحتلال

دعا المؤرخ الإسرائيلي اليهودي المناهض للاحتلال، بروفيسور إيلان بابيه، الفلسطينيين في الداخل والشتات إلى توحيد …

إجماع على الحزن

حينما ينجح المنتخب المغربي في حشد الإجماع عليه فاعلم أن في الطريق نهاية حزينة… هذه …

اترك تعليقاً