الصور التي تعمّدت السلطات الأميركية نشرها للرئيس الفنزويلي المختطَف نيكولاس مادورو، وهو مكبّل اليدين، يُساق إلى معتقله في نيويورك، محاطًا برجال غلاظٍ أشدّاء، لا تسيء إلى مادورو بقدر ما تفضح أميركا نفسها، وتعرّي صورتها أمام العالم.
إنها ليست صور “انتصارٍ للعدالة”، بل صور غطرسةٍ إمبراطورية تستعيد، بلا خجل، أسوأ تمثّلات “الرجل اليانكي” المستعمِر، ناهبِ الثروات، محتقرِ الشعوب، الواثقِ من حقه المطلق في الإذلال والعقاب.
هذه الصور ليست طارئة ولا معزولة عن سياقها التاريخي، إنها بعثٌ حيّ للصورة السوداء القديمة للإمبريالية الأميركية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، صورة الرجل الأبيض الغازي، الذي يقتحم أرض الغير، يقتل سكّانها الأصليين، يهجّرهم، يسرق مواردهم، ثم يفرض روايته بوصفها “قانونًا” و”حضارة”.
لقد بنت الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، صورة مغايرة لنفسها، حين أصبحت تُوصَف بأنها “زعيمة العالم الحر”، والمنقذة لأوروبا من الفاشية والنازية، والحاملة لراية الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن هذه الصورة لم تصمد طويلًا، سقطت في فيتنام، وتلطّخت بالدم في أميركا اللاتينية، حيث ساندت الانقلابات، وأقامت السجون السرية، ودعمت الديكتاتوريات الفاشيسية.
ومنذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ومع التحالف الصهيوني الأميركي، أخذت هذه الصورة في الانهيار المتسارع، حتى وصفها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، بدقّة جارحة، بقوله: “أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا”.
مع دونالد ترامب، الرئيس المريض، النرجسي، العنصري، المهووس بالعظمة والغرور، لم تعد أميركا تُخفي وجهها، وظهرت عاريةً كما هي فعلا، إمبراطورية بيضاء متغطرسة، لا تؤمن بالقانون إلا حين يخدمها، ولا تعترف بالسيادة إلا حين تكون لها، ولا ترى في الشعوب سوى فرائس محتملة أو عوائق يجب سحقها.
صورة رئيس دولة غنية وذات تاريخ عريق مثل فنزويلا، مهما اختلفنا معه سياسيًا، وهو يُقدَّم كمجرم صغير، كتاجر مخدرات، ليست سوى الشجرة التي يُراد لها أن تُخفي الغابة.
أما الغابة الحقيقية، فهي غابة اللصوص الكبار؛ مغتصبو الشعوب، ناهبو الثروات، صُنّاع الحروب، تجّار الدم، وروّاد ماخور إبستين.. أولئك الذين يريدون حكم العالم بقوة الحديد والنار، بالتخويف والترهيب، وبسحق كل صوت حرّ يرفض الهيمنة والغطرسة الأميركية الصهيونية، من غزة الجريحة إلى كراكاس.
ليست هذه لحظة سقوط مادورو وحده، بل لحظة سقوط القناع عن وجه أميركا الإمبريالية، لحظة يُعاد فيها تعريف “اليانكي الأبيض” في المخيال العالمي، لا بوصفه رمزًا للحرية أو حاملًا لقيم الديمقراطية، بل باعتباره تجسيدًا للقوة العارية، وللاستعمار المتجدّد، ولإمبراطورية الشر التي لم تعد تملك حتى رفاهية التظاهر بالأخلاق أو ادّعاء التفوق القيمي.
الرسالة موقع إخباري متنوع