بالاحمرالسطو المسلح: حين تسرق الدول كما تنهب البيوت

لم يحتج دونالد ترامب إلى كثير من البلاغة وهو يعلن أن الولايات المتحدة «ستدير الحكم في فنزويلا إلى حين انتقال آمن للسلطة»، وأن شركات النفط الأميركية ستتولى استغلال ثروات البلاد. قالها ببساطة فجة، تشبه تماما الطريقة التي يتحدث بها زعيم عصابة بعد نجاح عملية سطو محكمة. هنا لا نكون أمام حدث سياسي عابر، بل أمام مشهد استعاري كثيف الدلالة: فنزويلا كبيت، هوجم ليلا من عصابة مسلحة، قطعت عنه الكهرباء، كسرت أبوابه، شلت حراسته، ثم نهبت خزائنه باسم «إعادة النظام».تخيلوا المشهد: بيت كبير في حي غني، معروف بثروته النفطية. في ساعة متأخرة من الليل، تنطفئ الأنوار فجأة. الظلام ليس عارضا تقنيا، بل جزء من الخطة. في العتمة، تقتحم العصابة المكان، تحيد الحارس، تقيد صاحب البيت وزوجته، وتعلن عبر مكبرات الصوت أن العملية «نظيفة» و«دون خسائر»، وأن الهدف هو «حماية سكان البيت» من صاحبه الذي صوِّر فجأة كخطر على نفسه وعلى الجيران.بعد السيطرة، لا تكتفي العصابة بإخراج صاحب البيت، بل تُعلن أنها ستبقى. ليس احتلالا، بل «إدارة مؤقتة». ليس نهبا، بل «إصلاح للبنية التحتية». وليس سطوا، بل «إعادة تشغيل الموارد المعطلة». وهكذا، بينما لا يزال أهل البيت تحت الصدمة، تُفتح الخزائن، وتُستدعى شركات متخصصة في عدّ الغنائم، ويُقال للجميع: لا تقلقوا، سنجعل هذا البيت غنيا وآمنا… ولكن تحت إدارتنا.هذا بالضبط ما قاله ترامب، دون مواربة: إدارة أميركية مباشرة، استمرار الحصار، وجود عسكري بحري، واستغلال فوري لثروة النفط عبر شركات أميركية «كبيرة جدا». أي أن السلاح في يد، وعقود النفط في اليد الأخرى. القوة تفتح الباب، والاقتصاد يفرغ الخزائن. إنها معادلة استعمارية قديمة، لكن بلباس لغوي جديد: بدل «الاحتلال» نسمع «الانتقال الآمن»، وبدل «النهب» نسمع «الاستثمار»، وبدل «الوصاية» نسمع «الشراكة».الأخطر في هذا المشهد ليس فقط ما جرى لفنزويلا، بل ما يُقال للعالم كله. الرسالة واضحة وصريحة: السيادة مفهوم قابل للتعليق، والدول التي تملك ثروات ولا تملك قوة ردع كافية يمكن إدارتها بالقوة، مثل بيوت بلا أبواب. الشرعية هنا لا تُستمد من القانون الدولي ولا من إرادة الشعوب، بل من ميزان القوة، ومن القدرة على إطفاء الأنوار في عاصمة كاملة.في منطق العصابة، لا مكان للأسئلة الأخلاقية. المهم أن العملية نجحت، وأن الغنيمة كبيرة، وأن صاحب البيت صُوِّر على أنه «مجرم» كي يبرّر كل ما حدث بعد ذلك. هكذا تُكتب السردية: سطو مسلح يُقدَّم كعملية إنقاذ، ونهب منظم يُسوَّق كإعادة إعمار، وإدارة بالقوة تُقدَّم كمرحلة انتقالية نحو الحرية.السطو المسلح على فنزويلا ليس حدثا استثنائيا، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل من التعامل مع دول الجنوب كبيوت سائبة، تُقتحم حين تضعف، وتُنهب حين تعجز عن الدفاع عن نفسها. الجديد فقط أن زعيم العصابة هذه المرة لم يتعب نفسه حتى بتزيين القصة. قالها كما هي: نحن سندير، ونحن سنستغل، ونحن سنبقى… إلى أن نقرر أن نغادر، إن غادرنا أصلا.وهكذا، في عالم اليوم، لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل من يملك المفاتيح، ومن يملك السلاح، ومن يكتب الرواية بعد أن تُطفأ الأنوار.

■ عبدالعزيز بن صالح

شاهد أيضاً

الأوليغارشية المالية تُحاصر العدالة: من تجفيف المحاسبة إلى ترويض الدفاع

أطلق الفاعل الحقوقي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام محمد الغلوسي تدوينة مطوّلة على صفحته …

مصطلح “الهركاوي” و “البعروري”!

هناك سجال حول مصطلح ”الهركاوي” وهو مصطلح يشينون به كل شخص غير متحضر…ولكن هناك مصطلح …

اترك تعليقاً