اعتداء سافر على فنزويلا

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ هجوم عسكري على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته لا يمكن توصيفه إلا باعتباره خرقا فاضحا ومزدوجا للشرعية، شرعية النظام الدولي من جهة، وشرعية النظام الدستوري الأميركي من جهة ثانية.

القانون الدولي، كما يكرسه ميثاق الأمم المتحدة، يحظر استخدام القوة ضد الدول ذات السيادة خارج حالتي الدفاع الشرعي عن النفس أو التفويض الصريح من مجلس الأمن، ولا تتوافر أي من هاتين الحالتين هنا. أما اعتقال رئيس دولة أثناء ممارسته مهامه، فيعد خرقا مباشرا لمبدأ الحصانة السيادية، ويصنف قانونيا كاختطاف دولي، مهما كانت الذرائع السياسية أو الأمنية المدفوعة لتبريره.

عملية “الاختطاف” هذه لا تصطدم بالقانون الدولي وحده، بل بالدستور الأميركي نفسه. فشن هجوم عسكري دون تفويض من الكونغرس، واعتقال رئيس دولة أجنبية تحت لافتة “إنفاذ القانون”، توصيف لا يمنح العملية أي مشروعية قانونية، إذ إن القانون الجنائي الأميركي لا يطبق خارج أمريكا بالقوة، ولا يجيز اعتقال رئيس دولة أجنبية دون مسار قضائي دولي واضح. وعليه، فإن ما جرى لا يشكل فقط تجاوزا صارخا لصلاحيات السلطة التنفيذية وانتهاكا لقانون صلاحيات الحرب والإجراءات الواجب احترامها، بل قد يندرج أيضا ضمن إساءة استعمال السلطة (Abuse of Power)، وهي من الأفعال التي يصفها الدستور الأميركي بـ”الجرائم الكبرى والجنح” القابلة للمساءلة.

ما شهدته فنزويلا يطرح إشكالا بنيويا يتجاوز الواقعة ذاتها، ليطال الأسس الناظمة للنظام الدولي المعاصر. فالعملية، بما تنطوي عليه من استخدام أحادي للقوة واعتقال رئيس دولة أثناء ولايته، تمثل تقاطعا خطيرا بين خرق قواعد القانون الدولي العام، كما كرسها ميثاق الأمم المتحدة، وتجاوز القيود الدستورية الداخلية في الدولة المنفذة. وهذا التلاقي لا يهدد فقط مبدأ سيادة الدول، بل يفتح المجال أمام إعادة تعريف ممارسات القوة في العلاقات الدولية خارج الأطر القانونية والمؤسساتية.

خطورة ما حدث لا تكمن في نتائجه الآنية فحسب، بل في السابقة التي يؤسّس لها، حين يسمح رئيس دولة عظمى لنفسه بكسر قواعد النظام الدولي، وفي الوقت ذاته بتجاوز القيود الدستورية والقانونية التي تحكم تصرفاته داخليًا، فإننا لا نكون أمام “عملية إنفاذ قانون”، بل أمام انزلاق واضح نحو منطق القوة العارية، وعودة مقلقة إلى قانون الغاب.

شاهد أيضاً

تأثير الكرة على الشعب !

كمّ الانتقادات الكثيرة والقاسية التي طاولت مدرّب المنتخب المغربي، وما رافقها من تعبئة هستيرية لجمهور …

العريس.. إفريقي

في الحفلات التي ينظمها ”التريتور”، هناك ”طيابة” تختلس ما تبقى من أكل، و”نكافة” تضع اكسسوارا …

اترك تعليقاً