عندما تنظر إلى الشرق الأوسط سترى إسرائيل تحقق انتصارات كبيرة ظاهريا ، لكن إذا نظرت إلى الأمر من منظور استراتيجي عميق وليس من منظور ضيق ؛ فإسرائيل تواجه كارثة غير مسبوقة في اختلال التوازن العسكري والاستراتيجي ، ومن الواضح بأن إسرائيل من أكبر الخاسرين من تغير النظام العالمي الجديد .
كانت تنظر سابقا إلى المحور الإيراني على أنه الخطر الوجودي ، وبعد أن فككت عقد هذا المحور أصبحت اليوم أمام واقع جديد وهو محور آخر يتشكل ( تركيا – السعودية – مصر – باكستان ) ، وإذا كانت إيران لم تمتلك السلاح النووي فالمحور الجديد يمتلكه بالفعل ، وإذا كانت إيران منبوذة من دول منطقتها والعالم والأهم أنها في حالة صراع مع الولايات المتحدة ، فالمحور الجديد جزء من المنظومة الدولية وحليف وثيق للولايات المتحدة ما يجعلها تفقد ميزة الانحياز المطلق من الولايات المتحدة لها ، قد يقول لي أحدهم سنهزمهم كما هزمنا المحور الإيراني … ثم ماذا ؟ ستجدون محور آخر ثم آخر ثم آخر إلى ما لا نهاية ، لأن هذا حتمية تاريخية ، وأنت لن تبقى تنتصر للأبد .
الذي وضع إسرائيل في تلك المنطقة هو شخص لا يحب الشعب اليهودي ، لأنه وضعهم في قلب الجحيم حرفيا ، والذي وضعهم هناك هو أراد استخدامهم كقاعدة عسكرية متقدمة تضحي نيابة عنهم ، وبين من ؟ بين حضارات عريقة شهدت كل الكوارث عبر تاريخها وخرجت ناجية ، بل هم الحضارات التي بدأ منها هذا العالم أساسا ، هذا يذكرني كيف جعل الأوروبيين اليهود يعملون في الوظائف المكروهة في العصور السابقة ، مثل جمع الضرائب بالقوة وغيرها ، وهذا لم يكن حبا فيهم بل لجعلهم مكروهين أكثر ، وجعلهم يفعلون الأشياء التي لا يفعلها الأوروبي حفاظا على سمعته ، لتجتاح أوروبا موجة الكراهية ضد اليهود حينها .
على الإسرائيليين أن يسألوا أنفسهم ماذا لو سحبت الولايات المتحدة يدها من دعم إسرائيل كما فعلت مع قسد مثلا أو أوكرانيا ؟ لن أقول لك كم ستستمر وأنت أقلية وسط بحر من حضارات شديدة العنف والقسوة عبر التاريخ ، بل سأقول كم يوم يمكنك أن تستمر ؟ أنت تعلم بأنها مسألة أيام بلا الولايات المتحدة ، أما الأوروبيين فأنتم تعلمون بأنهم خارج اللعبة هم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم حتى يدافعوا عنكم ، وهم أصلا يكرهونكم بشدة بغض النظر عن الأمور الرسمية .
الخلاصة : إذا كان هناك عقول استراتيجية في إسرائيل فهم سيعلمون بأن بقاء إسرائيل مرهون بقبول الحضارة الإسلامية بها وليس بفكرة أن إسرائيل ستظل تهزم هذه الحضارات إلى ما لا نهاية ، أنتم في منطقة هزيمتكم الأولى هي نهايتكم حرفيا ، أما الاعتقاد بأنك باقي لأنك قوي فعليك قراءة التاريخ كم قوة غاشمة دخلت تلك المنطقة وكيف خرجت منها ( كان غيركم أشطر وأعنف وأقوى ) ، وهذه الحضارات تعودت على خسارة الملايين في الحروب دون أن تندثر وهي تستمر دائما مهما كانت الخسائر … وصفة أنك تعتقد بأنك أقوى أو أن قوتك ذاتية وباقية للأبد هي وصفة نهاية وخيمة .
■ عزالدين قداري الإدريسي .

الرسالة موقع إخباري متنوع