■ توفيق بوعشرين
أطلق حزب الأصالة والمعاصرة ذبابه وناموسه الإلكتروني البليد، على كاتب هذه السطور ومقدّم ذلك البرنامج المسمّى بودكاست كلام في السياسة.منذ الساعات الأولى لنشر حلقة أمس الاثنين، لم ينتظر مهندس التشهير في الحزب وقتًا للفهم، ووقتًا للتفكير، ووقتًا لاختيار زاوية الرد …أعطى الأمر التنفيذي للهجوم على صاحب البرنامج شخصيًا، بكل النعوت التي وجدها في قاموسه البئيس، من سبّ وقذف وتشهير، وإعادة تدوير مفردات ملف قضائي قالت المنظمات الحقوقية العالمية والمحلية ومجلس حقوق الإنسان بجنيڤ كلمتها فيه…هذا ليس جديدًا، كما أن تعفّفنا عن الرد منذ غادرت السجن على آلة التشهير ليس جديدًا أيضًا. لكن أحب أن ألفت نظر أصدقاء ومحبين ومتابعين للبرنامج كتبوا لي يطلبون الرد على هذا الهجوم الذي تُسخَّر له إمكانات هائلة وبسخاء قلّ نظيره…لهؤلاء وليس لغيرهم أقول:لا تصارع خنزيرًا في الوحل… والبقية تعرفونها.لا تردّ على بذيء فيفسد ذوقك وتنتشر بذاءته.لآلات التشهير الكبرى والصغرى، التي تحوّلت إلى أدوات قمع وانتهاك جسيم لحقوق الإنسان، نقول : أنا صحافي أعبّر عن رأيي قبل السجن وبعد السجن. لقد أدّيت فاتورة غالية على هذا المكتسب، وما زالت اؤدي أثمانا مكلفة . ولا أنوي الآن، وبعد هذا العمر، وبعد هذه التضحيات كلها، أن أطوي لساني وعقلي وأضعهما في جيبي، وأمتهن حرفة أخرى لا أعرفها. هذه واحدة.ثانيًا: إذا اعتقدتم أن السبّ والشتم والتشهير وقلة الذوق سترهبني، فأنتم واهمون. وإذا رأيتم أنني أقتصد في الرد وأقتصد في توزيع الاحتقار على آلات التشهير، فهذا فقط لأن مستحقي هذا الاحتقار كُثُر، ووقتي أغلى من أن يُصرف عليهم وعليهن…ثالثًا: أنا أخاطب عقول نخبة من الناس بما أراه مادة إعلامية تزاوج بين الخبر والرأي والتحليل، وبناءً على وقائع وحقائق ومعطيات…نسبية وقابلة لقراءات وتأويلات اخرى ..أنا لا أسبّ أحدًا ولا أمسّ كرامة أحد، لأن ميثاق الأخلاقيات المهنية يطوّق عنقي وعملي… فيما خصومي من كل ملة ونحلة يخاطبون غرائز الشر في نفوس أتباعهم ونوازع الانتقام لدى قلة من شركائهم ، في محاولة لحجب شمس الحقائق بغربال الشعوذة والسحر وخلط الأوراق خاصة في موسم انتخابي .إننا نعرف أكثر منكم اتجاهات الرأي العام، وما يؤثر فيه وما لا يؤثر، ليس لأنكم تملكون مال الكارتيلات، ونفوذ الوزارات، وامتيازات المجالس والمراكز، فأنكم ستصنعون الصيف والشتاء في طقس المغرب. هذه أوهام أبناء الأعيان الذين ينامون على خزائن أموال وامتيازات les dérogations!هناك تقنيات بدائية للدعاية السوداء نعرض بعضها لتنبيه الغافلين…تستعمل في حملات تشويه الصحافيين والحقوقيين والمدونين والسياسيين الذين يسبحون ضد التيار ..1/ لا تناقش الموضوع محلّ الجدل، بل اهجم على الشخص مباشرة .هذا أمر سهل وبسيط، ولا يحتمل التعقيد الذي يكرهه المستمع البسيط.انتقل من الموضوع إلى ذات الشخص الناس تحب التشخيص ولو كان افتراء وكذبا واختلافا 2/ لا تناقش كلام الخصم، لا تفحص حججه، لا تردّ على آرائه،بل ضعه في قفص الاتهام وأغلق عليه طوال الوقت.إنه ليس خصمًا تختلف معه وتترك الباب مواربًا لاحتمال أن يكون على صواب، ولو جزئيًا،بل هو: (عدو) – (متآمر) – (خائن) – (طابور خامس) – عميل للخارج ضد وطنه ودولته .باختصار: انه مجرم.هكذا تُجيَّش عواطف العامة اتجاهه، وتُحجب العقول عن تأمّل كلامه أو فعله أو كتاباته.3/ خصمك ليس إنسانًا، بل شيطان.ليس صاحب رأي ووجهة نظر بل خارج كائن خارج عن الإجماع…وهكذا يصبح دمه وسمعته وشرفه وحقوقه وعائلته مستباحة بلا قيد ولا شرط في الردّ العنيف عليه. شيطنة الآخر جزء من استراتيجية شلّ الحسّ الأخلاقي لدى المتلقي أثناء عملية ذبح خصمنا بلا ضجيج ولا تعاطف معه…4/ استعمل، وأنت تدمّر خصمك،معجمًا فقيرًا، وتركيبًا بسيطًا،ولغة تغرف من السبّ والشتم واللعن والتحقير.لغة لم يسبق لأحد أن فشل في العثور عليها أو استعمالها او فهم دلالاتها .لماذا؟لأن هذا السجلّ البلاغي لا يوقظ أدوات التفكير النقدي لدى المتلقي،ولا يسمح للخصم بالردّ عليك في ساحته الفكرية أو الإعلامية.اسحبه إلى الميدان الذي لا يريد دخوله ولا يحسن التحرك فيه انها استراتيجية عسكرية قديمة .هكذا تُحدث الفرق بينك وبينه منذ اللحظة الأولى للحرب …5/ استعمل الأسلوب الشعبوي والأخلاقوي، وحتى الديني والوطني القومي،من أجل تحقير خصمك، وتكفيره وتخوينه، وإخراجه من الإجماع القومي أو الوطني.حرّض الطبقات: الفقيرة، غير الواعية، المتديّنة، والمحافظة وحتى المنافقة…على نبذ خصمك …هكذا تتخلّص منه بسهولة، وتُعدمه رمزيًا بأقل كلفة ،دون جهد فكري ولا ثقافي للردّ على أفكاره.6/ ان استعملت حكمة الاية القرانية ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، فذلك ضعف منك واستشهاد في غير محله .النزعة المتمدّنة والمتحضّرة في الحوار مع الخصوم ذلّ وهوان.والقبول بالاختلاف مع الآخر تقاعس غير مسموح به في ساحة الرميان فيها سوى لقاتل او مقتول …لنرفع شعار الحميّة الجاهلية إذن، فهو أقرب إلى الردع.ولنَدَعْ مع الشاعر القبلي عمرو بن كلثوم :ألا لا يجهلَنّ أحد علينا ^ فنجهلَ فوق جهل الجاهلينهذه مساهمة بسيطة في تفكيك خطاطة آلات التشهير والسبّ والقذف والمسّ بالأعراض،التي أصبحت نشيطة منذ سنوات لها صحف وإذاعات ومواقع وتلفازات وحسابات برعاية من جهات عدة سياسية ومالية وحتى اجرامية ، مستغلّة: • سطوة وسائل التواصل الاجتماعي التي تحملها شاشات كل هاتف غبي، • دخول المال السياسي إلى لعبة التأثير في الرأي العام، • السعي بكل الطرق إلى القرار العمومي ومركز السلطة ، • ومحدودية ثقافة وفكر ووعي عموم الشعب،ضحية سوء التعليم ورداءة المحتوى الذي يُستهلك في الإعلام والصحافة والشارع…أنا صحافي أكتب عن السلطة أينما كانت، لأن السلطة تكتب في مصائر الناس…أفلا يحقّ لنا أن نعطي لمن لا صوت له صوتًا،علّه يكون بداية لنهاية السلطوية في مجتمعنا؟

الرسالة موقع إخباري متنوع