■ كتب : عثمان شيخ الدين عكرة
في دهاليز الاستخبارات العالمية، لا تُخاض الحروب دائماً بالرصاص أو الطائرات المسيّرة، بل ثمّة حروب ناعمة تُدار خلف الأبواب المغلقة، حيث يتحول “الجسد” إلى فخ، والمشاعر إلى طُعم. يُطلق على هذا التكتيك القديم المتجدد اسم “مصيدة العسل” (Honey Trap)، وهي التقنية التي برعت فيها أجهزة المخابرات لإسقاط الخصوم وتطويع الإرادات السياسية.تسيبي ليفني: “الأفعى الناعمة” في رداء الدبلوماسيةتظل تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل السابقة، النموذج الأبرز في العصر الحديث لهذا النوع من العمليات. لم تكن ليفني سياسية تقليدية، بل كانت “خريجة وكر” الموساد في باريس خلال الثمانينيات.عقيدة “الانفصال التكتيكي”: ما يميز ليفني ليس مجرد الجمال أو الإغواء، بل ما يمكن تسميته بـ “الفقر الإنساني” أو “البرود العاطفي”. هي القدرة الاحترافية على الفصل التام بين الفعل الحميمي وبين الهدف الاستخباراتي؛ حيث لا مكان للمشاعر، بل مجرد “إجراء تقني” للحصول على معلومة أو تسجيل “مستمسك” يكسر إرادة الطرف الآخر.الغطاء الأيديولوجي: لشرعنة هذا السقوط الأخلاقي، استندت ليفني والموساد إلى فتاوى حاخامية تبيح استخدام الجنس كـ “سلاح قومي” لحماية أمن الدولة، مما حول “الفضيحة” في نظر مجتمعها إلى “تضحية وبطولة”.أسماء تحت ظلال الشبهات: الابتزاز الصامترغم أن ليفني لم تنشر “كشف حساب” بأسماء ضحاياها، إلا أن اعترافاتها المواربة في الصحافة العالمية (مثل الـ “تايمز” البريطانية) تركت الباب موارباً أمام سيل من التكهنات والتقارير الاستخباراتية التي طالت شخصيات عربية وفلسطينية محورية:دائرة المفاوضات الفلسطينية: حامت الشبهات لسنوات حول أسماء مثل الراحل صائب عريقات وياسر عبد ربه، حيث سُربت تقارير عن “فيديوهات” استُخدمت لانتزاع تنازلات في ملفات شائكة كالقدس واللاجئين. ورغم النفي القاطع، ظل “الأرشيف الصامت” لليفني هو سيف ديموقليس المسلط على رقابهم.قادة ومسؤولون أمنيون: لم ينجُ بعض المسؤولين العرب من “شباك باريس”، حيث كانت ليفني تشرف على شقق آمنة لرصد وتوثيق “سقطات” زوار القارة العجوز من أصحاب النفوذ، لتحويلهم لاحقاً إلى “أصول مخابراتية” تنفذ الأجندات المطلوبة خوفاً من الفضيحة.بين النضال الوطني والسقوط الإنسانييثار التساؤل دائماً: هل ما قامت به ليفني يُعد “إنجازاً مهنياً” أم “سقوطاً أخلاقياً”؟في سجلات الاستخبارات: يُسجل كـ “نجاح باهر”. فالعميل الذي ينجح في اختراق عقل وقلب (وجسد) الخصم، يمنح دولته مفاتيح السيطرة دون إطلاق رصاصة واحدة.في سجلات الإنسانية: هو “إفلاس قيمي”. تحويل الإنسان إلى أداة، وتجريد العلاقات البشرية من معناها السامي لتحويلها إلى “طعم”، يعكس وجهاً مظلماً للسياسة الدولية التي لا تعترف بالأخلاق.التاريخ.. الحكم النهائيإن ما جرى في غرف ليفني المغلقة، أو ما شابهه من عمليات تاريخية ، يثبت أن “الضعف البشري” هو الثغرة الأكبر في جدار الأمن القومي.مع مرور الزمن، تتحول هذه “الفضائح” إلى وثائق تاريخية، وتفقد قدرتها على الابتزاز لتموت مع أصحابها، لكنها تظل درساً قاسياً للأجيال القادمة: إن القائد الذي لا يملك سيادة على “نفسه”، لا يمكنه أبداً أن يملك سيادة على “وطنه”.

الرسالة موقع إخباري متنوع