■ بقلم : الدكتور المصطفى قريشي
أفرز الإعلان عن تقديم مرشح وحيد لخلافة عزيز أخنوش، ممثلا في شخص محمد الشوكي، نقاشا سياسيا يتجاوز مسألة الأسماء، ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة انتقال القيادة داخل الأحزاب المغربية، وحدود التوازن بين الاستمرارية المطلوبة والتجديد المنتظر، فاللحظة التنظيمية التي يعيشها الحزب لا يمكن فصلها عن سياق سياسي وطني دقيق، تطبعه رهانات الاستحقاقات المقبلة، وتحديات تدبير الأغلبية الحكومية، وتزايد انتظارات الرأي العام من الفاعلين السياسيين، سواء على مستوى النجاعة أو المصداقية.التوافق: خيار الاستقرار أم تجنب المخاطرة؟يُقدم هذا التوافق، على شخصية محمد الشوكي من داخل الحزب، باعتباره تعبيرا عن وحدة الصف ونضج التجربة التنظيمية، ورغبة في تفادي صراعات داخلية قد تؤثر على الأداء السياسي والانتخابي. غير أن القراءة التحليلية تبين أن التوافق، حين لا يسبقه نقاش مفتوح أو تنافس شفاف، أو نقاش واسع مع مختلف التنظيمات والقواعد قد يتحول من آلية توحيد إلى أداة لتدبير الاختلاف مسبقا.فالأحزاب الكبرى، بحجم التجمع الوطني للأحرار، لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على ضبط التنظيم، بل أيضا بقدرتها على إنتاج نقاش داخلي تعددي، يسمح بتداول الأفكار وتجديد النخب. ومن هذا المنطلق، يبدو أن سؤال المنافسة غائبا في هذا الاستحقاق، وهو غياب لا يخلو من دلالات سياسية، يمكن أن نجد لها مبررا في المفاجأة المدوية التي خلفتها استقالة رئيس الحزب عزيز أخنوش، والتي ربما لحدود اللحظة هناك من لم يستوعبها، ثاني محدد السرعة القصوى في إيجاد خليفة يأخذ زمام الأمور للاستعداد للانتخابات المقبلة، وحاجة المرحلة لشخصية “هادئة”، لم تكن يوما تحت الأضواء داخليا أو خارجيا، إن لم نقل شخصية “غامضة” بالمفهوم السياسي.الشوكي: مسار تنظيمي هادئ داخل مركز القرار، ورجل الأعمال والمالينتمي الشوكي إلى جيل من القيادات الحزبية التي راكمت تجربة مؤسساتية مهمة، خاصة من خلال رئاسته للفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار. وخلال هذه المرحلة، برز كرجل تنظيم وتنسيق، نجح في الحفاظ على تماسك الفريق البرلماني، وفي تدبير العلاقة مع مكونات الأغلبية والمعارضة بمنطق براغماتي ومؤسساتي.كما عُرف بأسلوبه الهادئ، وقدرته على تنفيذ الخيارات السياسية للحزب دون إثارة توترات داخلية أو خارجية، وهو ما جعله يحظى بثقة القيادة، ويُنظر إليه كشخصية قادرة على ضمان الاستمرارية والاستقرار التنظيمي.بالموازاة مع مساره الأكاديمي المهني المرتبط بمجال المال والأعمال والاستثمار جعله قريبا أكثر من بعض الشخصيات الوازنة في مجال الاقتصاد والأعمال والتي ستكون الدعامة القوية له داخليا وكذا خارجيا لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.غير أن هذا المسار، على أهميته، لم يُواكَب بطرح سياسي أو فكري مميز، يجعل من الشوكي رمزا لتحول نوعي أو لحظة تجديد واضحة داخل الحزب، بقدر ما يجعله امتدادا طبيعيا لمنطق القيادة السابقة وتوازناتها والحفاظ على البيت الداخلي قبيل أشهر معدودة على الاستحقاقات الانتخابية.بين الاستمرارية وإعادة إنتاج النخبيثير عدم بروز مرشحين آخرين، من داخل الصف الأول للحزب، تساؤلات حول دينامية تجديد النخب، وحول قدرة التنظيم على فتح المجال أمام قيادات جديدة تحمل تصورات مختلفة أو أساليب مبتكرة في العمل السياسي.فالاكتفاء بمرشح وحيد، حتى وإن كان يحظى بالإجماع، يعكس حرصا كبيرا على التحكم في المسار التنظيمي، لكنه في المقابل قد يُفهم كرسالة مفادها أن الاستمرارية مقدمة على النقاش، وأن إدارة الحزب تتم بمنطق الضبط أكثر من منطق التداول.ظاهريا، يقدم هذا التوافق نفسه باعتباره تعبيرا عن نضج تنظيمي، ورغبة في تفادي صراعات داخلية قد تُضعف صورة الحزب وتربك موقعه داخل المشهد السياسي. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر قد لا ينفصل عن إرادة واضحة في التحكم المسبق في مسار القيادة، وإغلاق الباب أمام أي مفاجآت قد تعيد فتح نقاشات حول التوجهات، أو توزيع النفوذ، أو حتى إعادة تقييم تجربة القيادة السابقة.فالتوافق هنا لا يبدو نتاج تنافس ديمقراطي أفضى إلى إجماع، بقدر ما يعكس تدبيرا مركزيا للقرار الحزبي، يراهن على الاستمرارية كضمانة للاستقرار، وعلى وحدة الصف كشرط للفوز الانتخابي، حتى ولو كان ذلك على حساب توسيع قاعدة النقاش الداخلي وتجديد النخب، وهو أمر مفهوم بسبب ازدحام أجندة الحزب وصدمة استقالة عزيز أخنوش.أي أفق للمرحلة المقبلة؟يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار يراهن، من خلال هذا الاختيار، على ضمان انتقال هادئ للقيادة، يحافظ على تماسك التنظيم، ويؤمن الاستعداد المبكر للاستحقاقات القادمة. غير أن هذا الرهان، وإن كان مفهوما من زاوية التدبير السياسي، يظل رهينا بقدرة القيادة الجديدة على إضفاء نفس جديد على العمل الحزبي، وتوسيع دوائر المشاركة، وربط الاستمرارية بالإصلاح الداخلي.تشكل خلافة الشوكي لأخنوش، في حال تثبيتها، لحظة كاشفة لحدود التوازن داخل الأحزاب المغربية بين منطق الاستقرار ومنطق التجديد. فهي خطوة قد تعزز الانضباط التنظيمي وتمنح الحزب وضوحا قياديا، لكنها في المقابل تضعه أمام تحدي الإجابة عن سؤال أساسي:هل تكفي الاستمرارية وحدها لضمان الثقة السياسية في مرحلة تتسم بتحولات اجتماعية وانتظارات متزايدة؟إن خلافة الشوكي لأخنوش، في حال تثبيتها، تشكل رسالة واضحة بأن حزب التجمع الوطني للأحرار يراهن على الاستمرارية بدل المغامرة، وعلى وحدة القرار بدل تعددية الأصوات. وهي مقاربة قد تكون فعالة انتخابيا، لكنها تظل محفوفة بمخاطر الركود التنظيمي، وإعادة إنتاج نفس الإشكالات، مما سوف يؤدي لا محالة إلى ظهور توترات داخلية لإعادة ترتيب التوازنات، وضبط الحدود والمكاسب، وتحديد المواقع الجديدة، والتي ربما يكون تم التوافق على بعضها مما دفع عدد من الأسماء التي كانت منتظرة لعدم تقديم ترشحها. لنا عودة للموضوع مع ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات.

الرسالة موقع إخباري متنوع