(Original Caption) Abderrahmane Youssoufi and Lionel Jospin at the Matignon. (Photo by Bernard Bisson/Sygma via Getty Images)

جوسبان ويوسفي: صداقة السياسة… ووفاء الرجال

رحل اليوم ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، فرجعت بي الذاكرة فورًا إلى زمنٍ كانت فيه السياسة تحمل شيئًا من المعنى، وكان الرجال الكبار يُعرفون بثباتهم، لا بضجيجهم، وبوفائهم، لا باستعراضهم.أستعيد، في هذه اللحظة، مشهدًا لا يغادر الذاكرة. كان ذلك يوم 2 أكتوبر 1998، خلال مأدبة العشاء الرسمية التي أُقيمت في باريس تكريمًا لعبد الرحمن اليوسفي، الوزير الأول المغربي آنذاك، في مناسبة زيارته الرسمية إلى فرنسا. في ذلك المقام البروتوكولي الرفيع، فاجأ ليونيل جوسبان الحضور وهو يخاطب عبد الرحمن اليوسفي بصيغة التودّد والمخاطبة المباشرة، لا بصيغة الرسميات الجامدة. ولم يكن ذلك زلّة لسان، ولا خروجًا عابرًا عن مقتضيات المراسم، بل كان، في تقديري، تعبيرًا صادقًا عن صداقة قديمة، وعن علاقة نسجتها سنوات طويلة من الاحترام المتبادل، والتقارب الفكري، والانتماء إلى ذلك التقليد الاشتراكي الذي جعل من الأخوّة السياسية قيمةً تتجاوز المناصب والرتب والشكليات.ولم يكن هذا السلوك مستغربًا في الثقافة الاشتراكية الدولية؛ فبين كثير من رجالها ونسائها ظلّت لغة القرب الإنساني، حتى في أكثر اللحظات الرسمية، علامةً على وشائج النضال المشترك، وعلى ما يبقى من حرارة الفكرة حين تبرد اللغة الدبلوماسية.ثم مرّت السنوات، وغادر الرجلان مواقع المسؤولية، لكن الصلة بينهما لم تنقطع. وكنت، في بعض زيارات عبد الرحمن اليوسفي إلى باريس، أُسهم في تجديد هذا الخيط الإنساني والسياسي بينهما. كنت أحتفظ برقم هاتف منزل ليونيل جوسبان، وأستعمله في مثل تلك المناسبات. وكانا يفضّلان أن تتم لقاءاتهما في هدوء، بعيدًا عن الأعين، وبمنأى عن ضجيج المجالس، لأن الصداقات الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور، ولا تستمدّ معناها من الصورة، بل من عمق ما تختزنه من ثقة وذكريات وربما أيضًا من أسرار لا تُقال إلا في عزلة الكبار.وأستعيد كذلك أول لقاء جمع سي عبد الرحمن اليوسفي بفرانسوا هولاند، حين كان هذا الأخير كاتبًا أول للحزب الاشتراكي الفرنسي. جرى ذلك اللقاء في باريس، في فندق قريب من ساحة النجمة، بحضور فتح الله ولعلو وبيير موسكوفيتشي. وما زلت أذكر الحماسة الصادقة التي عبّر عنها هولاند وهو يقول، بما معناه، إن الجلوس إلى عبد الرحمن اليوسفي يمنحه الإحساس بأنه أمام واحد من كبار وجوه الاشتراكية التاريخية، من طينة جان جوريس أو ليون بلوم.ولعلّ في هذه الشهادة ما يتجاوز مجرد استحضار ذكرى شخصية؛ فهي تستدعي زمنًا كاملًا، وتُذكّر بجيلٍ من السياسيين لم يكن العمل العام عندهم مجرد مهنة، بل التزامًا أخلاقيًا وفكريًا وإنسانيًا. كانوا يختلفون، نعم، لكنهم لم يبتذلوا السياسة. وكانوا يمارسون السلطة، من دون أن يتحولوا إلى أسرى لها. وكانوا يحتفظون، حتى بعد مغادرتهم المناصب، بشيءٍ نادر: الوفاء.إن وفاة ليونيل جوسبان لا تستدعي في ذهني اسم رجل فرنسي كبير فحسب، بل تستدعي أيضًا عبد الرحمن اليوسفي، وتلك الصداقة التي جمعت بين رجلين من ضفتين، لكنهما التقيا في معدنٍ واحد: الجدية، والنزاهة، واحترام السياسة، والإيمان بأن النضال لا يُقاس فقط بما يحققه من مكاسب، بل أيضًا بما يتركه من أثرٍ أخلاقي في الذاكرة.رحم الله سي عبد الرحمن اليوسفي.والسلام على روح ليونيل جوسبان.

■ بقلم إبراهيم أوشلح، قيادي اتحادي سابق.

(Original Caption) Abderrahmane Youssoufi and Lionel Jospin at the Matignon. (Photo by Bernard Bisson/Sygma via Getty Images)

شاهد أيضاً

هل تملك دول الخليج القوة في مطالبة أمريكا بتجميد قواعدها كي لا يدخلوا حربا لا ناقة لهم فيها؟

وهل يستطيع الحرس الثوري الإيراني إيقاف هجماته على دول الخليج والتركيز على الكيان وأمريكا، حتى …

أهداف الحرب على إيران

أمريكا تركز على إنهاك الصواريخ الباليستية حتى تبقى حليفتها إسرائيل في معزل عن أي تهديد …

اترك تعليقاً