الأوليغارشية المالية تُحاصر العدالة: من تجفيف المحاسبة إلى ترويض الدفاع

أطلق الفاعل الحقوقي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام محمد الغلوسي تدوينة مطوّلة على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، جاءت بصيغة تحذير سياسي وحقوقي صريح. تدوينة لا تتوقف عند تشخيص وضع مهنة المحاماة، بل تربط ما يجري اليوم بمسار عام يعتبره مسارًا منظمًا لإحكام قبضة الأوليغارشية المالية على مفاصل الدولة والمجتمع، عبر تفكيك منظومة العدالة وضرب ركائزها واحدة تلو الأخرى.واستهل الغلوسي تدوينته بوضع إطار عام، أكد فيه أن هذه الأوليغارشية نجحت، خلال السنوات الأخيرة، في تعطيل أو إفراغ عدد من الآليات القانونية التي كان من شأنها الحد من الفساد وربط السلطة بالمساءلة. وفي مقدمة هذه الآليات، يضع رفض تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، بما يعنيه ذلك من تطبيع تشريعي مع تراكم الثروة داخل دوائر القرار، دون مساءلة عن المصدر أو عن تضارب المواقع بين السلطة والمال، في تعارض صريح مع منطق النزاهة والشفافية.وفي السياق ذاته، يشير الغلوسي إلى ما يعتبره تضييقًا ممنهجًا على المجتمع المدني، خاصة الجمعيات الحقوقية والهيئات التي جعلت من مكافحة الفساد وحماية المال العام محورًا لعملها. هذا التضييق، بحسبه، لا يتم دائمًا عبر المنع الصريح، بل عبر تقييد الأدوار، وخلق مناخ قانوني وإداري طارد، وتجفيف مصادر الفعل والتأثير، بما يحوّل العمل المدني من رافعة رقابية إلى نشاط هامشي منزوع الفعالية، ويُفرغ المشاركة المجتمعية من مضمونها الرقابي.ومن النقاط المركزية في تدوينة الغلوسي، انتقاده الشديد لما وصفه بمحاصرة النيابة العامة في مجال السياسة الجنائية المرتبطة بجرائم المال العام، مستحضرًا بشكل صريح المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية، التي قيّدت إمكانية تحريك المتابعة في قضايا الفساد المالي بشروط اعتبرها كثيرون تضييقًا مباشرًا على استقلالية النيابة العامة، وضربًا لمبدأ الملاءمة، وإفراغًا عمليًا لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة من محتواه.ولم يفصل الغلوسي هذا المسار عن ما جرى، في نظره، داخل مجال الصحافة وحرية التعبير، حيث اعتبر أن تمرير قانون الصحافة والنشر بصيغته الحالية لم يكن هدفه حماية المهنة أو تنظيمها، بل تحويل الصحافة إلى مجرد رجع صدى للسلطة التنفيذية، وتجريدها من دورها الرقابي والنقدي، وجعل كلفة الكلمة الحرة أعلى من قدرة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية على الاحتمال، بما يُنتج فضاءً عامًا منزوع الجرأة والاختلاف.وفي السياق نفسه، يضع الغلوسي قانون الإضراب ضمن الحلقة ذاتها، معتبرًا أن تمريره شكّل ضربة جديدة لميزان القوة داخل المجتمع، عبر تقليص أدوات الضغط السلمي والاحتجاج المشروع، وتقييد فعل الشغيلة والنقابات، بما يخدم مناخًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملائمًا لتوسع نفوذ الفئات المستفيدة من السياسات العمومية دون رقابة فعلية أو توازن اجتماعي.وانطلاقًا من هذا التراكم، ينتقل الغلوسي إلى ما يعتبره المرحلة الجديدة من هذا المسار، والمتمثلة في استهداف مهنة المحاماة. ويؤكد أن ما يُحضَّر اليوم لا يتعلق بإصلاح تقني أو تنظيمي معزول، بل بمحاولة تقزيم الأدوار الحقوقية والإنسانية للمحامي، والمس باستقلالية المهنة، وإخضاعها للسلطة التنفيذية في شخص وزير العدل، مع تقليص مجال اشتغال المحامي، وتوسيع منسوب التهديد بالمتابعات القضائية، بما يجعل المحامي يشتغل داخل مناخ دائم من الخوف وعدم الاطمئنان.ويحذر الغلوسي صراحة من تحويل المحاماة من رسالة كونية للدفاع عن الحقوق والحريات إلى وظيفة إدارية ينشغل أصحابها فقط بالجانب المادي والمعيشي، ويؤدون أدوارهم وهم يشعرون بأن ممارسة الدفاع قد تجرّ عليهم المتابعة بدل الحماية. وفي هذا السياق، يطرح سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا مباشرًا: هل يمكن للعدالة أن تُبنى تحت الخوف؟وفي نبرة تعبئة واضحة، يدعو الغلوسي جميع المحامين والمحاميات إلى استيعاب خطورة اللحظة، معتبرًا أن ما يجري ليس خلافًا مهنيًا عابرًا، بل معركة وجودية تمس حقوق الدفاع وكونية رسالة المحاماة، وتقويض العدالة ذاتها. كما يشدد على أن الوقت ليس وقت حسابات ضيقة أو مزايدات تنظيمية، بل وقت وحدة الصف المهني، رغم كل الاختلافات في التقدير والمواقف، مع إمكانية تأجيل النقاشات الداخلية إلى مراحل لاحقة.ويختم الغلوسي تدوينته بنداء صريح إلى هيئات المحامين ومختلف تنظيماتهم، من أجل التوحد للدفاع، ليس فقط عن المهنة، بل عن حق المجتمع في العدالة. فالأوليغارشية المالية، بحسبه، تطاولت على النيابة العامة، وعلى الصحافة، وعلى الجمعيات الحقوقية، وها هي اليوم تسعى إلى استكمال الحلقة بالإجهاز على حقوق الدفاع واستقلالية مهنة المحاماة. والسماح بمرور هذا المسار، كما يحذر، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تغوّل الفساد، واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع، وتقويض الثقة في العدالة كمؤسسة وكقيمة.بهذا المعنى، لا تبدو تدوينة محمد الغلوسي مجرد موقف تضامني مع المحامين، بل قراءة سياسية شاملة لمسار يعتبره خطرًا على التوازنات الدستورية والحقوقية، ورسالة إنذار أخيرة قبل أن تتحول العدالة، في نظره، إلى مجال بلا أنياب، يُدار بمنطق الخوف لا بمنطق الحق.

شاهد أيضاً

بنسعيد وزير فاشل

في الوقت الذي يطلق فيه محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والاتصال وعضو القيادة الجماعية …

العقل بوصفه تفاعلا بين قلب يفكر ودماغ يقدر

■ مالك بوروز القلب قرآنيا ومن حيث الأحاديث الشريفة ليس مضخة للدم فقط، بل به …

اترك تعليقاً